«السعاية الإلكترونية» تثير الجدل.. ماذا يقول القانون المغربي حول طلب «المؤثرات» أموالا من متابعيهن؟

ندى حاسي وميس مها

ندى حاسي وميس مها

في 07/11/2026 على الساعة 22:00

بين طلب عشرة دراهم من كل متابع، والتراجع عن الدعوة بدعوى المزاح، ثم الإعلان عن التصدق بالمبلغ المحصل، وجدت المؤثرة المغربية المعروفة باسم «ميس مها» نفسها وسط موجة من الانتقادات، بعدما أثار طلبها تساؤلات بشأن مشروعية دعوة صناع المحتوى متابعيهم إلى تحويل الأموال إلى حساباتهم البنكية الشخصية، والضوابط القانونية التي تؤطر مثل هذه الممارسات.

بدأت القصة عندما ظهرت «ميس مها»، المعروفة أيضا باسم «دي جي مها»، في مقطع فيديو عبر حسابها على الإنستغرام، الذي يتابعه نحو مليون شخص، داعية متابعيها إلى تحويل عشرة دراهم لكل واحد منهم إلى حسابها البنكي، بهدف جمع مليار سنتيم، أي عشرة ملايين درهم.

ولم تكتف المؤثرة بإطلاق الدعوة، بل نشرت رقم حسابها لاستقبال التحويلات، وشاركت صورا لإشعارات مالية قالت إنها توصلت بها من بعض المتابعين.

غير أن المبادرة سرعان ما أثارت ردود فعل غاضبة، حيث اعتبر عدد من المتابعين أن طلب الأموال بهذه الطريقة يطرح إشكالات قانونية وأخلاقية، فيما حذر آخرون من إمكانية الوقوع تحت طائلة المقتضيات المنظمة لجمع التبرعات من العموم دون ترخيص.

وأمام اتساع دائرة الانتقادات، عادت «ميس مها» لتوضح أن الأمر لم يكن سوى مزحة، مشيرة إلى أن المبلغ الذي دخل حسابها لم يتجاوز 300 درهم، ومعلنة عزمها التصدق به على شخص محتاج.

وتزامن هذا الجدل مع تداول منشورات وصور منسوبة إلى المؤثرة ندى حاسي، تضمنت بدورها طلب تحويل مبالغ مالية من المتابعين، من بينها مساهمات بقيمة 30 درهما بمناسبة عيد ميلاد.

وأعادت هذه الوقائع النقاش حول ما بات يصفه نشطاء بـ«التسول الرقمي» أو «السعاية الإلكترونية»، خصوصا في ظل اتساع نفوذ المؤثرين وقدرتهم على تحويل التفاعل الافتراضي إلى معاملات مالية مباشرة، دون وضوح دائما بشأن طبيعة هذه الطلبات والغرض منها.

وفي محاولة لفهم الحدود القانونية لهذه الممارسات، يوضح المستشار القانوني أمين الفتحي في تصريح لـLe360 أن الإشكال لا يرتبط بقيمة المبالغ المطلوبة، وإنما بطبيعة الدعوة والغاية منها والكيفية التي تقدم بها، قائلا: «ما يبدو مساهمة بسيطة بالنسبة إلى شخص واحد، يمكن أن يتحول، بفعل اتساع الجمهور، إلى مبالغ مهمة تستدعي التساؤل عن أساس جمعها والصفة التي يتصرف بها صاحب الحساب والالتزامات المترتبة عليه».

وتابع: «تقتضي القراءة القانونية التمييز بين طلب هبة شخصية، وتنظيم حملة لجمع التبرعات لأغراض خيرية، وممارسة الاستجداء بصورة معتادة، واستعمال وسائل احتيالية للحصول على الأموال»، مشيرا إلى أن استعمال عبارات من قبيل «هدية» أو «تحد» أو «دعابة» لا يحسم التكييف القانوني، الذي يظل مرتبطا بحقيقة الأفعال والظروف المحيطة بها.

وبخصوص الإطار القانوني المنظم لهذه العمليات، أوضح الفتحي أن القانون رقم 18.18 المتعلق بتنظيم عمليات جمع التبرعات من العموم وتوزيع المساعدات لأغراض خيرية هو النص المعمول به حاليا، بعدما نسخ القانون رقم 004.71 المتعلق بالتماس الإحسان العمومي.

وأضاف أن دعوة الجمهور عبر المنصات الرقمية إلى تمويل مساعدات ذات طابع اجتماعي أو إنساني أو تضامني أو خيري تخضع، من حيث المبدأ، لمقتضيات هذا القانون، الذي يجعل الدعوة إلى جمع التبرعات من اختصاص الجمعيات المؤسسة قانونا، مع استثناءات محددة لمجموعات من الأشخاص الذاتيين في حالات معينة، شريطة الحصول على ترخيص مسبق.

وفي المقابل، يميز المستشار القانوني بين هذه الحملات وطلب الأموال لمنفعة شخصية محضة، معتبرا أن هذا الأخير لا يخضع تلقائيا لقانون جمع التبرعات، ما لم تكشف حقيقة العملية عن حملة خيرية.

وتوقف المتحدث نفسه عند مصطلح «التسول الإلكتروني»، موضحا أن الفصل 326 من القانون الجنائي يشترط الاعتياد على ممارسة التسول، ولذلك لا يكفي نشر طلب واحد أو تلقي تحويلات مالية لإثبات هذه الجريمة.

وعن العقوبات المحتملة، شدد الفتحي على أن نشر رقم الحساب البنكي لا يشكل في حد ذاته جريمة، وإنما تتحدد المسؤولية بحسب طبيعة الدعوة والأفعال المرتبطة بها.

وأوضح أن القانون 18.18 ينص على غرامات تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف درهم لمخالفة إلزامية الترخيص، وبين 50 ألفا و100 ألف درهم لمخالفة قواعد الجهات المؤهلة للدعوة إلى التبرع، فيما قد تصل الغرامة إلى 500 ألف درهم بالنسبة إلى الجهات التي تنشر إعلانات لجمع التبرعات خلافا للقانون، متى توافرت شروط تطبيق المقتضى المعني.

وأضاف أن هذه المخالفات لا تستوجب الحبس لمجرد غياب الترخيص، غير أن المسؤولية قد تأخذ منحى جنائيا آخر إذا ثبتت أركان جرائم مستقلة، مثل التسول أو النصب، مذكرا بأن الفصل 540 من القانون الجنائي يعاقب على النصب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 500 إلى 5 آلاف درهم في صورته الأساسية، شريطة إثبات استعمال وسائل احتيالية أدت إلى تسليم الأموال.

أما تبرير الطلب بأنه مجرد مزاح، فلا يشكل، بحسب المتحدث نفسه، سببا قانونيا مستقلا للإعفاء من المسؤولية، قائلا: «الدعابة التي يتضح من سياقها عدم وجود طلب جدي تختلف عن نشر حساب صالح للتحويل، وتكرار الدعوة، وعرض المبالغ المتوصل بها، وتشجيع الجمهور على إرسال المزيد». واستدرك بأن هذه الوقائع لا تثبت الجريمة وحدها، لكنها تتيح مناقشة جدية الطلب وظروف إطلاقه.

وبخصوص إعلان المؤثرة التصدق بالمبلغ الذي جمعته، أكد الفتحي أن تخصيص الأموال لاحقا لأعمال خيرية لا يمحو تلقائيا مخالفة قد تكون اكتملت أركانها، موضحا أن القانون ينظم طريقة جمع الأموال ومراقبتها، وليس وجهتها النهائية فقط. وفي المقابل، لا يمكن اعتبار قرار التصدق اللاحق دليلا على أن الدعوة الشخصية الأولى كانت حملة خيرية منذ البداية.

ولا تقف الإشكالات عند حدود صاحب الحساب، بل تمتد أيضا إلى المتابعين الذين يستجيبون لهذه الدعوات. وفي هذا الصدد، أوضح المستشار القانوني أن الشخص الذي يحول مبلغا من ماله المشروع بحسن نية لا يتحمل مسؤولية جنائية لمجرد قيامه بالتحويل، باعتبار أن المسؤولية شخصية ولا تفترض من مجرد الرغبة في مساعدة مؤثر أو دعمه.

لكنه أشار إلى أن الوضع يختلف إذا تجاوز المتابع دور المساهم إلى المشاركة الواعية في عملية احتيال، من خلال اصطناع وصولات أو تقديم معلومات كاذبة بقصد استدراج الآخرين إلى تحويل الأموال.

وشدد المستشار القانوني على أن كثرة التحويلات أو هوية المستفيد لا تكفي وحدها للحديث عن غسل الأموال أو التمويل غير المشروع، لأن لكل جريمة شروطا وأركانا يتعين إثباتها.

ومن بين الجوانب التي تستحق الانتباه أيضا مسألة حماية المعطيات الشخصية، خاصة مع لجوء بعض المؤثرين إلى نشر صور إشعارات التحويل لإظهار المبالغ التي توصلوا بها. ولفت الفتحي إلى أن وصولات التحويل قد تتضمن أسماء المتبرعين وأرقام حساباتهم والمبالغ المحولة ومراجع العمليات، معتبرا أن إرسال المتابع وصلا إلى صاحب الحساب لإثبات التحويل لا يعني بالضرورة موافقته على نشره أمام العموم.

وأضاف أن المادة 16 من القانون 18.18 تؤكد ضرورة احترام مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، داعيا إلى اعتماد الشفافية في الإعلان عن الحصيلة المالية دون الكشف عن هويات المساهمين أو بياناتهم البنكية، من خلال طمس المعطيات الشخصية في الوثائق المنشورة.

وفي ما يتعلق بالاجتهاد القضائي، أوضح الفتحي أنه ينبغي التمييز بين القواعد العامة التي يعتمدها القضاء في قضايا النصب وبين وجود قرارات تحسم تحديدا في حالات طلب المؤثرين تحويلات مالية بدعوى المزاح.

وأشار إلى قرار محكمة النقض رقم 12/725 الصادر بتاريخ 7 يونيو 2022، الذي يبرز أهمية إثبات الأفعال الاحتيالية وعدم اعتبار الادعاءات الكاذبة المجردة، غير المصحوبة بمظاهر خارجية تؤكدها، نصبا بصورة تلقائية.

واستدرك بأن القرار المذكور لا يتعلق بتبرعات المؤثرين، كما أنه لم يقف في المصادر المنشورة التي راجعها على اجتهاد لمحكمة النقض يحسم بشكل مباشر في واقعة طلب تحويلات شخصية من المتابعين بدعوى المزاح.

وختم المستشار القانوني بالتأكيد على أن شهرة صناع المحتوى تضاعف أثر دعواتهم وتفرض وضوحا أكبر في التعامل مع الجمهور، لكنها لا تجعل كل طلب مالي جريمة في حد ذاته، كما لا يمكن اتخاذ المزاح ذريعة لتجاوز القانون متى ثبتت عناصر المخالفة. فالحسم في مثل هذه الوقائع يظل مرتبطا بطبيعة ما طلب من المتابعين، والصفة التي جرى بها الطلب، والغرض من جمع الأموال، والأفعال التي يمكن إثباتها.

تحرير من طرف غنية دجبار
في 07/11/2026 على الساعة 22:00