الصحراء: إعلام الجزائر يهلل لـ«فيتو» روسيا ويتجاهل الإطاحة ببعثة «مينورسو»

مجلس الأمن

في 31/10/2026 على الساعة 09:16

انخرطت وسائل الإعلام الجزائرية، منذ جلسة مجلس الأمن في 30 أكتوبر، في حملة احتفاء صاخبة بـ«الفيتو» الروسي مروجة له كإنجاز ديبلوماسي باهر. غير أن هذه المنابر تعمدت القفز على جوهر الحقيقة؛ إذ حصد المقترح الذي استماتت الجزائر في الدفاع عنه ثلاثة أصوات فقط، وفقدت بعثة «المينورسو» تفويضها القانوني بالكامل، في حين طالب المغرب بمغادرتها الفورية لأقاليمه الجنوبية، لترسم تلك التغطيات ملامح انتصار زائف بُترت معطياته عمدا.

وفرضت النبرة الدعائية إيقاعها منذ الساعات الأولى ليلة التصويت؛ إذ رأى موقع «ألجيري باتريوتيك»، التابع لنجل وزير الدفاع الجزائري الأسبق لطفي نزار، أن الموقف الروسي يمثل «صفعة مدوية للدبلوماسية الأمريكية»، واصفا واشنطن بـ«مروج متطرف للأحادية»، وزاعما أن موسكو «أطاحت بالمحاولة الأمريكية بضربة واحدة».

وجاء عنوان الموقع ليلخص هذه الحالة الذهنية مدعيا أن «يدا مرفوعة أسقطت خطة ترامب مثل قصر من ورق». وبالتزامن مع ذلك، خرج موقع «الجزائر اليوم» ليتحدث عن «سابقة تاريخية»، زاعما أن «روسيا تقف في صف الصحراء الغربية».

وانتقلت الماكينة الإعلامية في اليوم الموالي إلى التمركز حول شخص مندوب الجزائر الدائم لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع. وسارعت صحيفة «الشروق» وموقع «الجزائر اليوم» إلى إبراز كلمته أمام المجلس، واصفا تقرير المصير بـ«المرجعية الأساسية التي لا محيد عنها»، ومؤكدا أن بلاده لا يمكنها «التزام الصمت» أو أن «تتحول إلى طرف متواطئ».

وأسهبت المنابر ذاتها في نقل شكر الدبلوماسي الجزائري لموسكو على تقديمها مشروع «تمديد تقني» لولاية البعثة، وهو كل ما اطلع عليه القارئ الجزائري، دون أن يعلم قيد أنملة عما آل إليه ذلك المقترح في قاعة التصويت.

صناعة نصر شكلي وتغييب الأرقام الفاضحة

وشكلت المعطيات الرقمية أولى الحقائق التي طواها الصمت الإعلامي المطبق في الجزائر؛ فالنص الروسي لم يحصد سوى ثلاثة أصوات يتيمة من أصل خمسة عشر عضوا، ممثلة في روسيا والصين والصومال، بينما اختارت إحدى عشرة دولة الامتناع عن التصويت، وصوتت الولايات المتحدة ضده، وفق المحاضر الرسمية لمجلس الأمن الدولي.

وانفرد موقع «الديوان»، من بين عشرات المنابر المفحوصة، بنشر الحصيلة الرقمية الحقيقية، بينما اكتفت بقية المواقع بوصف المقترح بـ«المرفوض»، أو تصويره ضحية لـ«فيتو» أمريكي. وهو الطرح الذي روج له موقع «ألجيري إيكو» و«لكسبريس ديزاد» بادعاء أن واشنطن استخدمت حق النقض ضد النص الروسي، وتحدث «ألجيري باتريوتيك» عن «فيتوهات متقاطعة»، في مناورة مكشوفة تسعى إلى تحويل عزلة دبلوماسية خانقة إلى تعادل شكلي، متناسية أن الحصول على ثلاثة أصوات يعجز أصلا عن بلوغ النصاب القانوني المحدد في تسعة أصوات، ما يجعل الموقف الأمريكي المعارض دون أي أثر مسطري.

ويتجلى التعتيم الأكبر في التكتم على المصير النهائي للبعثة؛ إذ أفضى غياب قرار التمديد إلى إنهاء ولاية «المينورسو»، التي انتهت رسميا في 31 أكتوبر 2026، لتتحول خطوة «الفيتو» التي سعت إليها الجزائر لحماية البعثة إلى سيف جردها من وجودها القانوني.

وظل موقع «الديوان» الوحيد الذي أقر بهذه النتيجة بوضوح، مقابل استمرار «الشروق» و«الجزائر اليوم» في الحديث عن «التمديد التقني» الروسي كأنه إجراء نافذ، تاركة المتلقي الجزائري يعتقد واهما أن البعثة نجت، بينما تستعد لحزم حقائبها ومغادرة الميدان.

تجاهل بلاغ الديوان الملكي وارتباك المشهد الرسمي

وتكامل هذا التعتيم بتجاهل تام لبلاغ الديوان الملكي المغربي الصادر في الأمسية ذاتها، والذي سجل عدم تجديد الولاية بوصفه «تحولا بارزا»، معلنا الشروع في ترتيب مغادرة طواقم البعثة ومعداتها للأقاليم الجنوبية «خلال الأيام المقبلة»، وسحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن.

ولم تتطرق الصحافة الجزائرية لهذا المعطى الميداني الحاسم، باستثناء مقال للدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني، زعم فيه أن المغرب «تسرع في إعلان النصر»، محاولا الاستناد إلى بقاء المجلس «مخطر بالمسألة» بموجب الفقرة السادسة من القرار 2797. ويبقى هذا الطرح متهافتا في الأعراف الدبلوماسية؛ إذ تتكرر هذه الصياغة الروتينية في قرارات المجلس دون أن تنشئ أي تفويض أو تعيد بعثة سقط سندها القانوني إلى قيد الحياة.

وتزامن هذا الانفصام الإعلامي مع صمت مطبق خيم على المؤسسات الرسمية الجزائرية؛ فلم تصدر وزارة الخارجية ولا رئاسة الجمهورية أي بيان رسمي غداة التصويت، كما أحجمت وكالة الأنباء الرسمية عن نشر أي برقية تفصل في مخرجات الجلسة.

واقتصر الموقف في صفوف البوليساريو على تصريح لممثلها سيدي عمر عبر وكالة رويترز، عبر فيه عن شكره لموسكو، موجها الامتنان إلى الطرف الذي أنهى «فيتوه» انتداب البعثة رسميا.

ويعكس هذا الإخراج الإعلامي واقعا مفضوحا ركز فيه إعلام الجارة الشرقية على صورة اليد الروسية المرفوعة، متجاهلا ما أسقطته تلك اليد في طريقها؛ فلو امتلكت الدبلوماسية الجزائرية مكسبا حقيقيا لأعلنته عبر قنواتها الرسمية، لكنها اختارت ترك منصاتها تحتفي بنصر وهمي، شريطة إخفاء النتيجة الميدانية عن الأنظار.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 31/10/2026 على الساعة 09:16