ومع تسجيل هذه الفئة ارتفاعا من 32 في المائة سنة 2024 إلى 38 في المائة سنة 2025، بحسب المعطيات الواردة في التقرير السنوي المشترك حول الاستقرار المالي الصادر عن بنك المغرب وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي والهيئة المغربية لسوق الرساميل، تبرز مخاوف من أن يتحول الاقتراض، بالنسبة إلى جزء من الأسر، من وسيلة لتمويل مشاريع كبرى إلى آلية لتغطية النفقات اليومية.
وبحسب التقرير نفسه، ارتفع متوسط معدل مديونية الأشخاص الذين حصلوا على قروض جديدة أو جددوا قروضا خلال سنة 2025 إلى 36 في المائة، مقابل 34 في المائة سنة 2024، فيما أصبحت الفئة التي تتجاوز أعباء ديونها 40 في المائة من الدخل تمثل 38 في المائة من المقترضين، وتستحوذ على 45 في المائة من إجمالي رصيد القروض، بعدما كانت حصتها في حدود 41 في المائة قبل سنة.
وفي قراءة لهذه الأرقام، قال يوسف كراوي فيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير في تصريح لـLe360، إن تخصيص 40 في المائة من دخل الأسرة لسداد الديون يعني عمليا أن ما يتبقى لها لا يتجاوز 60 في المائة لتغطية مختلف حاجياتها، من تمدرس الأبناء والتغذية والتطبيب إلى النقل والمصاريف المنزلية وغيرها.
وتابع: «هذا الوضع يفرض ضغطا كبيرا على الأسر، ويجعل قدرتها على الادخار أو توفير مبالغ لمواجهة النفقات غير المتوقعة محدودة للغاية».
وأوضح المتحدث نفسه أن مستوى المداخيل، بالإضافة إلى استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، يزيد من صعوبة تدبير ميزانية الأسر، خصوصا بالنسبة إلى الفئات ذات الدخل المتوسط والمحدود.
ويرى الخبير أن بلوغ أعباء القروض أكثر من 40 في المائة من الدخل يمثل مستوى مقلقا، موضحا أن النسبة التي يعتبرها أكثر توازنا هي في حدود 30 في المائة، بما يسمح بتخصيص جزء أكبر من الدخل للاستهلاك والادخار ومواجهة المصاريف الطارئة.
وأبرز كراوي أن ارتفاع الأسعار واستمرار الضغوط التضخمية يزيدان من هشاشة الوضع المالي للأسر، قائلا إن الفئات المتوسطة وتحت المتوسطة تتحمل جزء كبيرا من هذا الضغط، في وقت تعد فيه هذه الفئات من المحركات الأساسية للاقتصاد الوطني.
وبخصوص ارتفاع نسبة المقترضين الذين تتجاوز أعباء ديونهم 40 في المائة من الدخل، من 32 إلى 38 في المائة خلال سنة واحدة، ربط كراوي فيلالي هذا التطور بالارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، موضحا أن لجوء الأسر إلى الاقتراض يرتبط، في عدد من الحالات، بوجود عجز بين المداخيل والمصاريف.
وقال إن الاقتراض لاقتناء مسكن أو سيارة يختلف عن اللجوء إلى القروض الاستهلاكية لتغطية النفقات الأسرية، أو شراء الأثاث، أو تمويل السفر والعطلة، أو بعض المصاريف المرتبطة بالمناسبات، معتبرا أن توسع هذا النوع من الاقتراض مؤشر على أن دخل عدد من الأسر لم يعد كافيا لتغطية احتياجاتها.
وأضاف: «القروض الاستهلاكية «تنهك الدخل الأسري»، حيث تعتبر أحد العوامل التي تفسر ارتفاع عبء المديونية خلال سنة واحدة».
ولا تقف انعكاسات هذه الوضعية، بحسب الخبير، عند حدود ميزانية الأسرة، بل تمتد إلى قدرتها على الاستهلاك، وبالتالي إلى الطلب الداخلي.
وأوضح المتحدث نفسه أن الأسرة التي لا تملك هامشا للادخار أو للإنفاق على الترفيه والسياحة والخدمات تصبح أكثر تقييدا في اختياراتها الاستهلاكية، وهو ما يمكن أن ينعكس بدوره على الحركة الاقتصادية.
وبخصوص إمكانية ارتفاع حالات التعثر عن السداد، اعتبر كراوي فيلالي أن استمرار ارتفاع الأسعار، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف بعض المدخلات الأساسية، قد يزيد من الضغوط المفروضة على الأسر.
وقال إن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى صعوبات أكبر في سداد القروض الاستهلاكية، خصوصا إذا لم تتخذ إجراءات لتحسين القدرة الشرائية والتحكم في الأسعار.
وتأتي هذه المخاوف في وقت بلغت فيه الديون المتعثرة للأسر 47 مليار درهم خلال سنة 2025، بزيادة نسبتها 5,8 في المائة، بينما استقر معدل التعثر عند 10,3 في المائة من إجمالي القروض الممنوحة للأسر.
وبخصوص ما يمكن للأسر القيام به للحد من مخاطر المديونية، دعا الخبير إلى مزيد من الحذر في تدبير الميزانية الشهرية، من خلال ترتيب النفقات بحسب أولويتها وعدم اللجوء إلى القروض الاستهلاكية لتغطية العجز المتكرر.
وتابع: «من الأفضل أن تضبط الأسرة نفقاتها وتخفض من الإنفاق، عوض أن تدخل في عجز مالي شهري يقودها إلى دوامة القروض الاستهلاكية»، محذرا من الآثار التي يمكن أن يخلفها هذا المسار على التوازن المالي للأسرة.
وشدد كراوي على أهمية تنويع مصادر الدخل، معتبرا أن الاعتماد على مورد مالي واحد أصبح أكثر صعوبة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأوضح أن وجود أكثر من مصدر للدخل، سواء من خلال عمل إضافي أو نشاط منزلي أو مساهمة أحد أفراد الأسرة، يمكن أن يساعد على تخفيف الضغط وتحقيق قدر أكبر من التوازن المالي.
