في الوقت الذي تكثف فيه القارة مبادراتها فيما يخص حكامة الذكاء الاصطناعي، لا تزال هناك فجوة كبيرة بينها وبين الاقتصادات الأكثر تقدما. ويسلط المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول لسنة 2026 الضوء على التقدم القانوني في العديد من الدول الأفريقية، مع التأكيد على أن العقبات الرئيسية تكمن الآن في القدرات المؤسساتية، والكفاءات الرقمية، والبنيات التحتية. ويتجاوز هذا الانتقال كونه مسألة تكنولوجية بحتة ليصبح مسألة تنمية اقتصادية.
يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه تدريجيا كمحرك للتنافسية في الاقتصادات الأفريقية. ومع ذلك، لا تزال قدرة الدول على توجيه تطوره متفاوتة للغاية. ويظهر المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول لعام 2026، الصادر عن المركز العالمي لحكامة الذكاء الاصطناعي، أن أفريقيا لا تزال المنطقة ذات أدنى متوسط نقاط على المؤشر العالمي، حيث بلغ 21.79 من 100، مقارنةً بمتوسط عالمي قدره 35. إلا أن التقرير يشير إلى أن هذه الصورة تخفي الإصلاحات الجارية في العديد من دول القارة.
ووفقا للتقرير، لم تعد القضية الأساسية هي تبني مبادئ الحكامة، المتعارف عليها دوليا، بل ترجمتها إلى سياسات عمومية فعالة. ويرى معدو التقرير أن التفاوتات الملحوظة تعكس اختلافات في القدرات الإدارية والتقنية والمالية أكثر من تباينات في الطموحات السياسية.
ويعد هذا التمييز بالغ الأهمية لفهم مسارات التطور في أفريقيا. إذ تمتلك العديد من الحكومات الآن استراتيجيات رقمية أو مشاريع تنظيمية، لكنها لا تزال تكافح من أجل إنشاء المؤسسات وآليات الرقابة والموارد البشرية اللازمة لتنفيذ هذه النصوص.
تقدم قانوني مازال محدودا
ومع ذلك، يكشف التقرير على العديد من التطورات الهامة. اعتمدت خمس دول أفريقية –وهي ساحل العاج، وإثيوبيا، وليبيا، والمغرب، ونيجيريا- مؤخرا أطرا جديدة لأمن الذكاء الاصطناعي، مما يعكس وعيا متزايدا بالتحديات المرتبطة بالأنظمة الخوارزمية.
ويأتي هذا التطور في ظل الانتشار السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات المالية والفلاحية والصحية والإدارية. ووفقا لواضعي التقرير، باتت الحكامة عاملا متزايد الأهمية في جاذبية الاقتصاد، إذ يسعى المستثمرون إلى بيئات تنظيمية توفر قدرا أكبر من اليقين القانوني والقدرة على التنبؤ.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أيضا أن 4.68 % فقط من المؤشرات الأفريقية التي تم تقييمها مشمولة حاليا بأطر قانونية ملزمة بالكامل، بينما لا يزال ما يقرب من 79.5 % منها يفتقر إلى أي تنظيم خاص.
بمعنى آخر، لا تزال القارة في مرحلة من التطور المؤسساتي حيث يتقدم التشريع بوتيرة أسرع من تنفيذه.
يتوافق هذا التشخيص مع تحليلات البنك الدولي. ففي تقريره « أفريقيا الرقمية: التحول التكنولوجي من أجل الوظائف » (2025)، تؤكد المؤسسة الدولية أن التقنيات الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لن تحقق أثرها الاقتصادي المرجو إلا إذا اقترنت باستثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية، وتنمية الكفاءات، وتحسين جودة المؤسسات.
ووفقا للبنك الدولي، يعد التحول الرقمي اليوم محركا رئيسيا لخلق فرص الشغل، وتحسين الإنتاجية، والاندماج الإقليمي، ولكنه يتطلب بيئة تنظيمية موثوقة لتشجيع الابتكار والحد من المخاطر المتعلقة بالمعطيات الشخصية، والتحيز الخوارزمي، والأمن السيبراني.
وتوصل المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول إلى نتيجة مماثلة، إذ تشير هذه الدراسة إلى أن أسرع الدول نموا هي تلك القادرة على تنسيق سياساتها الرقمية، واستراتيجيات التكوين، وآليات الحكامة العامة في آن واحد.
طموحات مقيدة
يشير التقرير إلى نقطة غالبا ما تكون أقل وضوحا: ضعف القدرات المؤسسيات يشكل حاليا العائق الرئيسي أمام تطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول في أفريقيا.
وتحتاج الإدارات العمومية إلى متخصصين قادرين على تقييم الأنظمة الخوارزمية، ومراقبة امتثالها، وحماية المعطيات الشخصية، وضمان شفافية القرارات الآلية.
ومع ذلك، تعاني العديد من الدول الأفريقية من محدودية الموارد البشرية المتخصصة. يؤدي هذا الوضع إلى إبطاء تطبيق القوانين، حتى في حال وجودها.
كما يبرز بنك التنمية الأفريقي هذه المسألة في استراتيجيته العشرية 2024-2033، التي تجعل من تطوير الكفاءات الرقمية والابتكار والحكامة ركيزة أساسية للتحول الاقتصادي في القارة.
ووفقا لبنك التنمية الأفريقي، يعد تعزيز الرأسمال البشري أمرا ضروريا لتمكين الاقتصادات الأفريقية من الاستفادة الكاملة من التقنيات الناشئة.
ويشير التقرير ضمنيا إلى أن حكامة الذكاء الاصطناعي باتت عاملا مؤثرا في المنافسة الدولية.
وتفضل الشركات الدولية بشكل متزايد الأسواق التي ترسخ قواعد واضحة بشأن استخدام المعطيات، ومساءلة الأنظمة الآلية، والأمن السيبراني.
وبالنسبة للاقتصادات الأفريقية، يغير هذا التحول المعايير التقليدية لجاذبية الاستثمار.
لا تزال جودة البنيات التحتية الرقمية مهمة، لكنها لم تعد كافية. يقيم المستثمرون أيضا استقرار الأطر التنظيمية، والحماية القانونية، وقدرة المؤسسات على تطبيق القواعد.
من هذا المنظور، لا يمثل التقدم الذي أحرزته العديد من الدول الأفريقية غايةً في حد ذاته، بل إشارة إلى الأسواق الدولية.
نحو سيادة رقمية إفريقية
يتجاوز التقرير الجوانب التنظيمية، ليفتح نقاشا أوسع حول السيادة الرقمية للقارة الأفريقية.
يعتمد الذكاء الاصطناعي على المعطيات، والقدرات الحسابية، والبنيات التحتية التكنولوجية التي يهيمن عليها إلى حد كبير الفاعلون الدوليون.
ولذلك، يكمن التحدي بالنسبة للعديد من الدول الأفريقية في منع التحول الرقمي من إعادة إنتاج أشكال التبعية الاقتصادية التي لوحظت بالفعل في قطاعات أخرى.
يؤكد البنك الدولي أن إنشاء بيئات رقمية محلية، ودعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، والاستثمار في البحث العلمي، هي شروط أساسية لزيادة القيمة المضافة المنتجة في القارة.
وفي نفس السياق، يرى بنك التنمية الأفريقي أن تطوير الاقتصاد الرقمي يجب أن يصاحبه رفع مستوى الكفاءات الأفريقية بحيث يتم تصميم الابتكارات وتكييفها وإدارتها محليا.
