تداعيات الحظر الفرنسي تعصف بمراكز النداء بالمغرب.. شبح البطالة يهدد 10 آلاف منصب

صورة تعبيرية من داخل أحد مراكز النداء في الدار البيضاء.. AFP or licensors

في 04/09/2026 على الساعة 12:10

دخل القانون الفرنسي القاضي بحظر الاتصالات الهاتفية التجارية غير المرغوب فيها حيز التطبيق منذ ثلاثة أسابيع، وسط صعوبة بالغة في رصد ارتداداته الكاملة على مهنيي القطاع داخل المغرب. ولم تكشف هذه الإصلاحات التشريعية بعد عن مجمل آثارها لتزامن سريانها مع إجازات شهر غشت، غير أن العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء بدأت تشهد أولى المؤشرات الميدانية، بعد اختفاء لافتات مقاولات وإغلاق مركز داخل «تكنوبارك» ترك نحو 50 عاملا دون عمل.

انقضت 24 يوما على تفعيل النص التشريعي الفرنسي الصادر في 11 غشت، والذي يمنع أي تسويق عبر الهاتف دون موافقة مسبقة وصريحة من المستهلك. وتبقى التداعيات الرقمية الدقيقة غير واضحة على المستوى الوطني حتى الآن، نظرا لتزامن الموعد مع العطلة السنوية لأغلب وحدات البيع الهاتفي، بحسب ما أفاد به أيوب سعود، الكاتب العام للجامعة الوطنية لمراكز النداء ومهن «الأوفشورينغ»، في تصريح صحفي.

وأوضح سعود في هذا الصدد: «لم يُختبر القانون بالشكل الكامل بعد، إذ كانت أغلب شركات الاتصال التسويقي في عطلة سنوية خلال شهر غشت. لذلك يبدو من المبكر وضع تقييم نهائي، غير أن التأثيرات الأولى ستبرز بوضوح مع انطلاق الدخول الحالي».

وسجل المتحدث ظهور علامات ملموسة على أرض الواقع، مؤكدا أن المتابعة الدقيقة للقطاع في الدار البيضاء تفيد بإقدام بعض الوحدات على إنزال لافتاتها وإخلائها للمقرات، في إشارة واضحة على الانسحاب، فضلا عن رفض فاعلين آخرين تجديد عقود الكراء.

وتعود صعوبة تحديد حجم الخسائر إلى عامل بنيوي، يتمثل في خروج جانب واسع من هذا النشاط عن الرقابة، لكونه يعتمد على بنيات صغرى تشغل يدا عاملة غير مصرح بها، الأمر الذي يعقد مهمة ضبط الأعداد الحقيقية للمتضررين.

وقررت الجامعة التحول من خانة التنبيه إلى التدخل الميداني، حيث وجهت قبل يومين مذكرة رسمية باللغتين العربية والفرنسية إلى رئاسة الحكومة، قصد استباق التحولات والتنسيق لاتخاذ إجراءات كفيلة بامتصاص الصدمة الناجمة عن التغييرات القانونية والتقنية المتسارعة.

ضغط الذكاء الاصطناعي وتمايز الأنشطة

يتسم قطاع ترحيل الخدمات بتباين هيكلي واضح، فالشركات الكبرى لا تحصر نشاطها في البيع عبر الهاتف، بل تدير أيضا مكاتب خدمة الزبناء، والدعم التقني، ومعالجة المحتوى، وعمليات «الباك أوفيس».

وتظل هذه المجالات بعيدة عن مرمى القانون الفرنسي الجديد، ما يتيح إعادة توجيه بعض الفرق، وإن كان هذا المسعى لن يستوعب الجميع، خصوصا مع تنامي حضور أدوات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تقلص فعليا حجم الوظائف في هذه التخصصات.

ورصدت دراسة حديثة أجراها مكتب تدقيق دولي بفرنسا تراجعا عاما في أعداد اليد العاملة مدفوعا بتبني الذكاء الاصطناعي، في وقت لجأت فيه مقاولات كبرى إلى تقديم تعويضات مالية لتحفيز المستخدمين على المغادرة الرضائية.

انكشاف المقاولات الصغرى والنزاعات المهنية

يعري هذا التراجع واقع الهشاشة الذي يرافق مجالا رُوّج له طويلا كرافعة للتشغيل، إذ تحجب الأرقام المعلنة معدل دوران مرتفع للعمالة يصل إلى نحو 50 بالمائة، ويفرض وتيرة توظيف مستمرة لعجز المقاولات عن الاحتفاظ بمستخدميها واستقرارهم المهني.

وتفتقر المقاولات الصغرى للمرونة اللازمة لامتصاص هذا التحول، لضعف قدرتها التفاوضية مع الجهات الآمرة بالصرف وصعوبة استخلاص مستحقاتها المالية، والنتيجة إلقاء مستخدمين في بطالة مفاجئة دون حتى إمكانية الاستفادة من تعويض فقدان الشغل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي «CNSS» بسبب عدم التصريح بهم.

ووصل هذا الاحتقان إلى الهيئات النقابية إثر توقف نشاط مركز اتصال بفضاء «تكنوبارك»، ما تسبب في فقدان نحو 50 شخصا لمصدر رزقهم، وسلك الملف مساره الإداري عبر جلسات صلح بمفتشية الشغل تعثرت بسبب تخلف الممثل القانوني للمقاولة، ليحال النزاع الجماعي على سلطات العمالة لعرضه أمام اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة.

وتخشى الجامعة الوطنية تكرار ما وقع لشركة «بول آند خوسيه» بالدار البيضاء خلال شهر ماي 2025، حين أوصد المشغل أبواب المقر فجأة تاركا قرابة 60 عاملا في مواجهة الشارع، ورغم صدور أحكام قضائية لصالحهم فإنها ظلت غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، ما ينذر بتكرار سيناريو التهرب من الالتزامات القانونية إن غاب تدخل حازم من السلطات الوصية.

رؤية الفيدرالية المغربية لترحيل الخدمات

يبدو الموقف مغايرا لدى الفيدرالية المغربية لترحيل الخدمات «FMES»، حيث يستبعد رئيسها يوسف الشرايبي أي اهتزاز لقطاع «الأوفشورينغ» بالمملكة، مؤكدا أن القانون الفرنسي يستهدف الاتصالات الترويجية غير المطلوبة حصرا، وهي لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من الحجم الإجمالي، وأقل من 15 بالمائة من معاملات مراكز النداء.

ويرى الشرايبي أن الخدمات الموجهة نحو الخارج تشمل اليوم تدبير علاقات الزبناء الواردة، وخدمات الدعم المكتبي، وترحيل العمليات التدبيرية «BPO»، والرقمنة، وتكنولوجيا المعلومات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهي تخصصات تنطوي على قيمة مضافة مرتفعة.

وقدرت الفيدرالية سقف المناصب المهددة بنحو 10 آلاف وظيفة من أصل 150 ألف منصب يضمها القطاع، مع الحفاظ على وتيرة التوظيف الصافية إيجابيا بفضل خلق أكثر من 15 ألف فرصة عمل جديدة كل سنة.

وساعدت المهلة الزمنية الفاعلين على الاستعداد، حيث جرى توجيه حجوم النشاط تدريجيا نحو مجالات بديلة عوض الإلغاء المفاجئ، وأكد رئيس الفيدرالية عدم تسجيل أي إغلاق ضمن المقاولات التابعة لهيئته، داعيا إلى التوقف عن الخلط بين شركات الترحيل المنظمة والوكالات الصغرى الأحادية النشاط التي تعطي رؤية غير مطابقة للواقع الاقتصادي.

الرهان على التحول والارتقاء المهني

يقاس الأثر التشريعي الفعلي بتطور الحصيلة الإجمالية لمناصب الشغل، أي باحتساب الفارق بين مناصب التسويق الهاتفي الصادر التي أغلقت، وتلك التي جرى تحويلها وتأهيل أصحابها، والمناصب المستحدثة في المهن البديلة، وهو المؤشر الصافي الذي سيتضح مساره بعد أشهر.

وعكست مجموعة «أوتسورسيا» هذا النهج عبر التخطيط المسبق لحصر العمليات الحساسة ونقل الكفاءات تدريجيا نحو قطاعات أخرى ومشاريع نوعية داخل المجموعة، دون تسجيل أي خفض للموارد البشرية أو إغلاق لأي موقع تشغيلي، بالاعتماد على تنوع العرض الرقمي والتقني.

ويفرض المشهد تجاوز النظرة الضيقة التي تختزل قطاع «الأوفشورينغ» في مجرد مكالمات هاتفية لتصريف المنتجات، فتلك الحقبة أدت دورها في التأسيس، بينما يستدعي المسار الحالي تسريع الارتقاء نحو خدمات رقمية عالية الدقة تمزج بين الحلول الذكية والخبرة الميدانية، لضمان استمرار المغرب في حصد حصص أوسع داخل السوق الأوروبية.

تحرير من طرف هاجر خروبي
في 04/09/2026 على الساعة 12:10