وتناولت يومية « الأخبار » في عددها الصادر يوم الجمعة 4 شتنبر الجاري، تداعيات دخول قواعد تنظيمية جديدة في فرنسا حيز التنفيذ في 11 غشت الماضي، والتي بدأت آثارها تظهر على عدد من الشركات المغربية النشطة في مجال التسويق الهاتفي، في وقت يتجه فيه القطاع عالميا نحو تقليص الاعتماد على المكالمات التقليدية وتعويض جزء من المهام البشرية بأدوات رقمية أكثر تطورا.
وأفادت الجريدة أنه بموجب القواعد الجديدة، أصبح الاتصال الهاتفي بالمستهلكين لأغراض تجارية ممنوعا في فرنسا، ما لم يكن المستهلك قد منح موافقته المسبقة والصريحة، مع استثناءات محدودة، من بينها بعض الاتصالات المرتبطة بعقد قائم، كما ألغيت آلية « Bloctel »، التي كانت تتيح للمستهلكين التسجيل في قائمة لرفض المكالمات التجارية.
وتكتسي هذه الخطوة، وفق ما جاء في المقال، أهمية كبيرة بالنسبة إلى المغرب، بالنظر إلى الاعتماد القوي لقطاع مراكز العلاقة مع الزبناء على السوق الفرنسية، إذ تحدثت تقديرات رسمية ومهنية عن احتمال تعرض عشرات الآلاف من مناصب الشغل للخطر، في وقت تشير فيه معطيات حديثة إلى بدء تسجيل فقدان وظائف وإغلاق بعض الوحدات العاملة أساسا في مجال التسويق الهاتفي الموجه إلى السوق الفرنسية.
وتابعت اليومية أن مبدأ « الموافقة أولا » أصبح منذ 11 غشت الماضي، القاعدة المعتمدة في عمليات التسويق الهاتفي بفرنسا، وهو ما يحد بشكل مباشر من قدرة الشركات على إجراء مكالمات تجارية عشوائية أو استهداف مستهلكين لم يسبق لهم التعبير عن رغبتهم في تلقي هذا النوع من الاتصالات، اذ أكدت السلطات الفرنسية أن هذه الموافقة يجب أن تكون حرة ومحددة وواضحة وقابلة للسحب، على ألا تتجاوز مدة صلاحيتها سنة واحدة.
وبالنسبة إلى مراكز النداء المغربية، أشارت الجريدة أن هذا التحول يعني تقلص جزء من السوق التي اعتمدت عليها لسنوات، خصوصا الوحدات التي يرتبط نشاطها بصورة شبه كاملة بحملات البيع والاستقطاب الهاتفي، و تبدو الشركات الصغيرة والمتوسطة الأكثر عرضة للضغط، بالنظر إلى محدودية إمكانياتها المالية والبشرية وضعف قدرتها على تنويع الخدمات والأسواق، إذ يمكن للشركة التي تعتمد على عقد واحد أو عدد محدود من العقود الموجهة إلى السوق الفرنسية قبل أن تجد نفسها أمام تراجع سريع في رقم معاملاتها بمجرد انخفاض حجم الحملات الهاتفية.
وتؤكد معطيات منشورة حديثا أن هذا السيناريو بدا يتحول إلى واقع بالنسبة إلى بعض الفاعلين مع تسجيل حالات إغلاق وفقدان وظائف، فيما قدرت نقابة مهنية عدد الوظائف التي فقدت بالفعل في الفترة الأولى بنحو عشرة آلاف وظيفة، في المقابل تمكنت شركات أكبر وأكثر تنوعا من إعادة توزيع جزء من العاملين المتأثرين على أنشطة أخرى.
وتابع المقال أن الخطر لا يقتصر على السوق الفرنسية، بل يمتد إلى نموذج الأعمال نفسه، إذ يجعل الاعتماد الكبير على السوق الفرنسية وانخفاض تكلفة التشغيل الشركات المغربية أكثر هشاشة أمام تغير القواعد التنظيمية أو تراجع الطلب، خصوصا في الوظائف المرتبطة مباشرة بالتسويق الهاتفي، التي يمكن أن تتأثر سريعًا من خلال تقليص ساعات العمل وحجم الفرق والحاجة إلى الموظفين.
وأفادت الصحيفة أن قطاع مراكز النداء، يواجه إلى جانب الضغوط التنظيمية التي فرضتها القواعد الجديدة في فرنسا، تحديا متزايدا بفعل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي بات قادرا على تولي عدد من المهام التي كانت تعتمد على العنصر البشري، من الرد على الاستفسارات البسيطة وتوجيه المكالمات إلى معالجة الطلبات المتكررة وتقديم المعلومات الأولية، ما يفرض على الشركات إعادة النظر في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة مستقبلا.
وأضافت الصحيفة أن هذا التحول لا يعني اختفاء مراكز النداء، بقدر ما يفرض تغييرا تدريجيا في طبيعة العمل داخلها، مع تراجع الحاجة إلى المهام الروتينية مقابل ارتفاع الطلب على موظفين قادرين على معالجة الملفات المعقدة وحل المشكلات والتعامل مع الحالات الحساسة والإشراف على الأنظمة الرقمية، كما يفرض هذا الوضع إعادة تأهيل الموارد البشرية، في ظل الحاجة المتزايدة إلى مهارات في تحليل البيانات واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتواصل المتقدم.
وفي ظل هذه التحولات، أبرزت اليومية أن إعادة هيكلة القطاع وتنويع الخدمات والأسواق، يبدوا خيارا يصعب تجنبه بالنسبة إلى الشركات المغربية، من خلال تطوير أنشطة خدمة الزبناء والدعم التقني وخدمات ما بعد البيع ومعالجة البيانات والدعم الرقمي، إلى جانب البحث عن أسواق جديدة تقلل من حجم الاعتماد على السوق الفرنسية.
أما بخصوص الميزة التنافسية للقطاع، فلم تعد قائمة فقط على انخفاض تكلفة اليد العاملة وإتقان اللغات، بل أصبحت مرتبطة بجودة الخدمات والبنية الرقمية وتوفر الكفاءات والقدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي وحماية البيانات، وهي تحولات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب بالنظر إلى مساهمة قطاع مراكز النداء في توفير فرص شغل مهمة، ما يجعل نجاح عملية إعادة الهيكلة والتأهيل أمرا حاسما للحفاظ على تنافسية القطاع ومواكبة التحولات التي تعرفها هذه الصناعة عالميا.
