ويأتي هذا الاجتماع، بحسب بلاغ للديوان الملكي، ليعطي دفعة حاسمة لتعزيز القدرات المينائية والطاقية للمملكة، باستثمار يبلغ 8 ملايير درهم لمحطة «طنجة المتوسط 3»، وتعبئة 54 مليار درهم لمركب «الناظور غرب المتوسط»، ضمن رؤية إستراتيجية تمتد إلى أفق سنة 2035 لتحويل هذه البنيات التحتية إلى استثمارات صناعية ملموسة وفرص عمل مستدامة داخل المجالات الترابية.
وفي هذا السياق، يواصل المغرب تنزيل رؤيته البحرية عبر مشروعين متكاملين يعززان موقعه في التجارة العالمية؛ إذ يطلق ميناء طنجة المتوسط مرحلة توسع جديدة لبلوغ طاقة إجمالية تناهز 20 مليون حاوية سنويا، بالتزامن مع استعداد ميناء الناظور غرب المتوسط لاستقبال أولى رحلاته التجارية وتدشين قطب صناعي ولوجستي وطاقي على الواجهة المتوسطية الشرقية.
ويروم هذا التوجه المشترك تزويد المملكة بنظام مينائي تنافسي يواكب التحولات العميقة في سلاسل الإمداد الدولية، ويستقطب استثمارات جديدة تعزز متانة الاقتصاد الوطني، متجاوزا منطق أحجام الشحن والمناولة نحو تشييد منظومات صناعية متكاملة وتأمين السيادة الطاقية.
«طنجة المتوسط 3».. خطوة نحو نادي العشرة الكبار عالميا
يواصل مركب طنجة المتوسط، بعد أكثر من عقدين على انطلاقته، مساره التصاعدي لترسيخ ريادته الإقليمية ورفع طاقته الاستيعابية إلى نحو 20 مليون حاوية من حجم عشرين قدما خلال العقد المقبل، مستهدفا دخول قائمة الموانئ العشرة الأولى عالميا في حركة الحاويات.
وتشكل محطة «طنجة المتوسط 3» الركيزة الأساسية لهذا التوسع الجديد، حيث تنطلق أشغالها مع نهاية شهر أكتوبر 2026 في الواجهة الغربية للمركب القائم، وتشمل إنجاز 3000 متر من الحواجز البحرية ومحطة للحاويات «TC5» بأرصفة يبلغ طولها 1200 متر خطي.
Le port de Tanger Med.
ويتطلب هذا المشروع استثمارا يناهز 8 ملايير درهم تقوده الوكالة الخاصة طنجة المتوسط، لتوفير طاقة معالجة سنوية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية، مع إمكانية رفعها إلى 5 ملايين حاوية، على أن تدخل المحطة حيز الخدمة في منتصف سنة 2031.
وعهد بتطوير هذه المنشأة وتشغيلها إلى تحالف «ميرسك - إيه بي إم»، أحد رواد النقل البحري وإدارة الموانئ في العالم، وهو تعاقد يعكس الرغبة في جذب كبار الفاعلين الدوليين لدعم التوسع المينائي وتعزيز جاذبية المنصة الوطنية.
ولا يقتصر برنامج التوسعة على المحطة الخامسة، إذ يرتقب أن تتيح محطة «TC6» بميناء «طنجة المتوسط 2» إضافة طاقة استيعابية تبلغ 1.6 مليون حاوية، إلى جانب أشغال توسيع ميناء المسافرين والشاحنات التي بدأت في دجنبر 2024 بهدف بلوغ طاقة سنوية تصل إلى مليون شاحنة نقل دولي طرقي و7 ملايين مسافر في أفق سنة 2029.
وتندرج هذه الورشات ضمن مخطط استثماري شامل بقيمة 36 مليار درهم، يتوزع بين 20 مليار درهم من الاستثمارات العمومية و16 مليار درهم من التمويلات الخاصة، لتغطية مختلف جوانب التحديث الشامل للمركب.
ويواكب هذا الصعود المينائي رهان صناعي يستثمر تموقع المغرب على مضيق جبل طارق وقربه من المسارات التجارية البحرية الكبرى بين أوروبا وإفريقيا والأسواق العالمية.
وتشير التقديرات إلى قدرة طنجة المتوسط على استقطاب 100 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة الإضافية وتوفير نحو 80 ألف منصب شغل جديد، ليرتفع حجم معاملات المنصة الصناعية من 188 مليار درهم حاليا إلى نحو 350 مليار درهم بحلول عام 2035.
ويرتبط تحقيق هذه الآفاق بتسريع استقرار المقاولات وتنامي الأنشطة اللوجستية، بهدف تجاوز الدور الحصري للميناء كمنصة لإعادة المسافنة نحو بناء قطب إنتاجي موجه للتصدير.
ويشكل المركب بذلك دعامة إستراتيجية للمملكة للاستفادة من إعادة هيكلة سلاسل التوريد والبحث الدولي عن القرب الجغرافي من أسواق الاستهلاك، مؤكدا منطق التكامل الصناعي مع الفضاء الأوروبي خارج حدود التنافس التقليدي بين الموانئ.
الناظور غرب المتوسط.. 54 مليار درهم لتأسيس قطب اقتصادي شرقي
وعلى الواجهة المتوسطية الشرقية، يمثل مركب «الناظور غرب المتوسط» الدعامة الموازية لهذه الإستراتيجية، برصيد استثماري بلغ حتى الآن 54 مليار درهم يجمع بين القطاعين العام والخاص وفق بلاغ الديوان الملكي.
وتتوزع هذه الاعتمادات بين 31 مليار درهم من التمويلات العمومية و23 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة، تشمل 17 مليار درهم عمومية و23 مليار درهم خاصة وجهت للبنيات التحتية المينائية، فضلا عن 14 مليار درهم خصصت لشبكات ومحاور الربط الخارجي.
ميناء الناظور غرب المتوسط. DR
وصمم هذا القطب ليتكامل كليا مع طنجة المتوسط، إذ يجمع بين ميناء في المياه العميقة بحوض مائي يمتد على 260 هكتارا، ومحطات متخصصة في الحاويات والمحروقات والغاز الطبيعي المسال والمواد السائبة والبضائع العامة، إلى جانب حركة الشاحنات المدولجة.
وينتظر أن يعطي هذا المشروع دفعة نوعية لحضور المغرب في التجارة البحرية، مع تنشيط الدورة الاقتصادية في جهة الشرق تزامنا مع تدفق المستثمرين وفتح المحطات المينائية تدريجيا.
أولى شحنات الحاويات ترسو نهاية أكتوبر 2026
وتنطلق الأنشطة التشغيلية للمركب عبر محطة الحاويات الشرقية بطاقة نهائية تبلغ 3.5 ملايين حاوية سنويا، ورصيف يمتد على 1520 مترا وغاطس مائي بعمق 18 مترا ومسطحات بمساحة 70 هكتارا، حيث تغطي المرحلة الأولى للتشغيل 720 مترا من الرصيف.
ويشرف على إدارة المحطة تحالف يضم شركة «مرسى المغرب» و«إم إس سي»، المصنفة أولى عالميا في الشحن البحري، باستثمار خاص يتجاوز 5 ملايير درهم، مع إدراج أولى الخطوط الملاحية وبدء استقبال السفن التجارية نهاية شهر أكتوبر 2026.
ويمثل هذا الدخول مرحلة الانتقال الفعلي من ورش التشييد إلى النشاط التجاري لتقييم قدرة الموقع على جلب التدفقات البحرية.
وفي المقابل، تشكل محطة الحاويات الغربية الخطوة الموالية، بعد تفويتها لتحالف «مرسى المغرب» و«سي إم إيه - سي جي إم»، برصيف يبلغ 900 متر ومسطحات على مساحة 40 هكتارا وغاطس بعمق 18 مترا، لتوفر طاقة استيعاب تصل إلى 1.8 مليون حاوية سنويا باستثمار خاص يفوق 3 ملايير درهم.
وتتواصل أشغال وضع اللمسات الأخيرة على الأرصفة وتجهيزها بالمعدات، تمهيدا للشروع في الاستغلال خلال الفصل الثاني من عام 2027 عبر خطوط بحرية منتظمة.
وستوفر المحطتان مجتمعتين طاقة استيعابية تصل إلى 5.3 ملايين حاوية سنويا، باستثمارات خاصة تفوق 8 ملايير درهم وفق ما ورد في المعطيات الرسمية.
منظومة طاقية متكاملة وتنوع في الخدمات المينائية
وتتجسد خصوصية الناظور غرب المتوسط في بنيته التحتية الطاقية المصممة لاستقبال المحروقات والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال، مع دخول تدريجي لحيز التشغيل يرتقب انطلاقه في منتصف سنة 2027.
وتصل الطاقة الاستيعابية لمحطات المحروقات إلى 25 مليون طن سنويا، مسنودة بمنطقة تخزين على مساحة 170 هكتارا، انتهت تهيئة شطرها الأول الممتد على 82 هكتارا، فيما عبر عدد من الفاعلين عن اهتمامهم بأنشطة التخزين على مساحة تناهز 50 هكتارا.
ويتيح الوعاء العقاري للمنطقة إمكانات تخزين قد تبلغ 4 ملايين متر مكعب، بما يؤهلها لاستقبال المتعاملين ومواكبة نمو خدمات التخزين والشحن.
وعلى صعيد متصل، يضم المشروع محطة للغاز الطبيعي المسال برصيف طوله 360 مترا خطيا وقدرة معالجة تبلغ 5 ملايير متر مكعب سنويا، لدعم منظومة الإمداد الطاقي للمملكة وتنويع مصادرها.
ويتعدى عرض الناظور غرب المتوسط مجالي الحاويات والطاقة إلى أنشطة تجارية أخرى، عبر محطة للبضائع الصلبة برصيف يمتد على 360 مترا وطاقة 7 ملايين طن سنويا تسلم في يونيو 2027.
كما يشتمل المركب على محطة للبضائع المتنوعة عهد بتسييرها إلى «مرسى المغرب» برصيف طوله 540 مترا ومسطحات بمساحة 22 هكتارا وعمق 18 مترا، بطاقة 3 ملايين طن سنويا واستثمار خاص يصل إلى ملياري درهم، ويرتقب تشغيلها في دجنبر 2028، فضلا عن محطة لسفن الشحن المدولج بطاقة 400 ألف وحدة ورصيف بطول 380 مترا كان مقررا دخولها الخدمة في شتنبر 2026.
شبكات الربط ورهان التنمية وتوليد الوظائف بجهة الشرق
ويرتبط نجاح الناظور غرب المتوسط بقدرته على الاندماج في شبكات النقل الوطنية لضمان التدفق السلس للبضائع نحو المناطق الصناعية والأسواق الداخلية.
ويضم مخطط الربط خطا للسكك الحديدية يمتد على 49 كيلومترا بين سلوان والميناء يرتقب تشغيله في سنة 2028، وطريقا سيارا بطول 105 كيلومترات بين جرسيف والميناء يتوقع افتتاحه في يونيو 2029، بموازاة برنامج لتأهيل 280 كيلومترا من الطرق أنجز منها 210 كيلومترات حتى الآن.
وتهدف هذه المحاور إلى فك العزلة وتعزيز الروابط اللوجستية بين جهة الشرق ومختلف الأقطاب الاقتصادية بالمملكة، بما يمنع تحول الميناء إلى جزيرة معزولة عن محيطها.
وعلى الصعيد الصناعي، بدأت المنطقة المجاورة للميناء نشاطها الفعلي باحتضان أول وحدة تصنيع، بينما تتواصل أشغال تشييد ثلاث وحدات صناعية أخرى باستثمارات تقارب 12 مليار درهم.
وعلى مستوى سوق العمل، تشير التقديرات إلى إمكانية خلق 14 ألف فرصة عمل مباشرة و20 ألف وظيفة غير مباشرة في المدى القريب، على أن تقفز الأرقام إلى نحو 50 ألف منصب مباشر و90 ألف منصب إجمالي بحلول عام 2035-2036.
وفي هذا السياق، أكد الملك محمد السادس خلال جلسة العمل على ضرورة تعميم ثمار هذه المشاريع التنموية على ساكنة أقاليم المنطقة، مشددا على الإسراع بإطلاق برامج تكوين مهني ملائمة لمتطلبات المهن الجديدة لضمان إدماج الشباب، وربط المقاولات الصغرى والمتوسطة بسلاسل الإنتاج المينائية والصناعية الناشئة.







