ولتقريب متابعي Le360 من هذه العادة الراسخة في الثقافة الحسانية، التي تنهل -كالمجتمع المغربي برمته- من كتب السنة والمذهب المالكي، قامت كاميرا الموقع بجولة بين مختلف جنبات سوق الماشية بمدينة العيون، حيث خصصت المصالح الجماعية جناحا خاصا بتجارة وبيع الإبل والنوق طيلة السنة، بما في ذلك الأيام القليلة التي تسبق أداء هذه الشعيرة الدينية. كما تنتشر الحظائر، أو ما يسمى محليا بـ«الأحواش»، حيث تتم عمليات بيع وشراء الغنم والإبل والمواشي عموما، بعدما يستقدمها أصحابها من البوادي وضواحي المدينة أو من مناطق أخرى ذات مناخ صحراوي.
وهناك التقينا بعزيز اعبيدها، أحد سكان العيون المعروفين بتجارة الإبل في مختلف المناسبات، حيث أكد أن الكثير من سكان الأقاليم الجنوبية باتوا حريصين على نحر الإبل يوم عيد الأضحى عوض الغنم والأكباش والماعز، بالنظر إلى العلاقة الوثيقة التي تربط الإنسان الصحراوي بالإبل ومشتقاتها، وما يرونه فيها من خصائص لا يجدونها في غيرها من المواشي. كما أشار إلى أن لحوم الإبل تعد خالية من الكوليسترول، خصوصا بالنسبة لمرضى السكري، فضلا عن مذاقها المميز الذي يجذب حتى غير المرضى.
وأضاف اعبيدها، بصفته تاجرا للإبل، أن الجانب الاقتصادي يفرض نفسه أيضا، خاصة عندما يتعلق الأمر بمجموعة تتكون من سبعة أفراد يتفقون على شراء «نحيرة» بشكل جماعي، حيث يختارونها بأنفسهم أو يعهدون بذلك إلى «خبير» في الإبل، ملم بأعمارها وأنواعها وأصنافها. وبعد نحرها يوم عيد الأضحى، يتولى جزار متخصص في لحم الإبل تقسيم اللحوم والشحوم والعظام إلى سبع حصص متساوية ترضي جميع الأطراف.
وفي السياق نفسه، التقت كاميرا الموقع بتاجر إبل آخر، هو لحسن بابا ولد أحمد بابا، المعروف بخبرته الطويلة في تربية الإبل، حيث أثنى -كما فعل التاجر عزيز اعبيدها- على فوائد الإبل ودورها في تعزيز الثقافة الحسانية، مستشهدا بالآية الكريمة التي أشادت بخلق الإبل. كما اعتبر أن تكلفة شراء الكبش قد تكون أكبر من ثمن اقتناء «نحيرة» بشكل جماعي، مستندا في ذلك إلى تجاربه الشخصية، إذ أوضح أن المشتركين السبعة في «النحيرة» قد يحصل كل واحد منهم على أكثر من 42 كيلوغراما من اللحم بأقل من 5000 درهم.
ويحتفظ سكان الصحراء عموما بهذا التقليد الذي يفرض حضوره في كل عيد أضحى، حيث يحرص العديد منهم على إحياء هذا الموروث الذي يعكس تشبثهم بالإبل ومشتقاتها، إلى جانب قيم التضامن والتعاون والتآزر الجماعي التي تميز المجتمع الحساني ذي الروافد المغربية الأصيلة، الداعية إلى التكافل والتكاتف بعيدا عن الفردية. ولا يتوقف هذا التقليد عند تقسيم «النحيرة» يوم العيد، بل يمتد إلى الأجواء العائلية التي ترافق عملية النحر، إذ يحضر كل واحد من المشاركين السبعة رفقة أفراد أسرته لمتابعة هذه المناسبة في جو عائلي مميز.
