المغرب يحاصر أرباح عمالقة الخدمات الرقمية بضريبة 20%.. هل ستتأثر اشتراكات المغاربة في «نتفليكس» و«غوغل» و«إير بي إن بي»؟

يستهدف النظام الجديد للضريبة على القيمة المضافة الخدمات الرقمية المقدمة إلى عملاء غير خاضعين للضريبة في المغرب، ويستند إلى منصة مخصصة تابعة للمديرية العامة للضرائب

في 03/08/2026 على الساعة 17:09

دخل المقتضى الضريبي الجديد المتعلق بفرض الضريبة على القيمة المضافة على المنصات الرقمية الأجنبية حيز التنفيذ بالمغرب، ملزما شركات من حجم «نتفليكس» و«غوغل» و«ميتا» و«إير بي إن بي» بتحصيل هذه الضريبة وتحويلها إلى الخزينة العامة، عند تقديمها خدمات غير مادية للمستهلكين المغاربة.

-تأتي هذه الخطوة بعد استكمال الإطار القانوني والتنظيمي للتدبير الجديد، غير أن تنزيله الميداني يطرح حزمة من الاستفسارات المعقدة حول مدى انخراط هذه المنصات الأجنبية في الامتثال الطوعي، واكتشاف الأثر المباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، فضلا عن مدى نجاعة هذه الخطوة في رفد مالية الدولة بموارد ضريبية جديدة.

وتستند المنظومة الجديدة إلى المرسوم رقم 2.25.862 المكمل للمرسوم المتعلق بتطبيق الضريبة على القيمة المضافة، والمشور بالجريدة الرسمية في دجنبر 2025. وبناء على أحكامه، انطلقت الواجبات التصريحية للشركات غير المقيمة بداية من 11 يونيو 2026، وهي مهلة الستة أشهر التي منحتها إدارة الضرائب لتكيف هذه المنصات مع المقتضيات الجديدة. ولإنجاح هذه العملية، أطلقت المديرية العامة للضرائب منصة إلكترونية متخصصة باسم «Taxation on Digital Services» المدمجة في خدمات SIMPL الإلكترونية والتي يمكن الوصول إليها عبر البوابة الإلكترونية www.tax.gov.ma.

وتشمل الالتزامات الضريبية أربع خطوات أساسية: التسجيل للحصول على المباشر الضريبي، تقديم تصريح برقم المعاملات المحقق بالمغرب نهاية كل أرباع سنة، تسجيل الدفعات المالية المؤداة، ثم الاحتفاظ بسجل تفصيلي للمبيعات الرقمية ووضعه رهن إشارة الإدارة عند الطلب.

تستهدف هذه الإجراءات نطاقا واسعا من الخدمات؛ يشمل البث التدفقي للسمعي البصري، الإعلانات الرقمية، منصات الحجز السياحي، تطبيقات النقل والشحن، البرمجيات عبر الاشتراكات، بالإضافة إلى خدمات التخزين السحابي والتكوين عن بعد والتجارة الإلكترونية للمحتويات الرقمية.

لمساعدة هؤلاء المشغلين الأجانب في إنجاز إجراءاتهم عبر الإنترنت، تتيح لهم المديرية العامة للضرائب (DGI) دليلا قابلا للتنزيل على بوابتها الإلكترونية، ضمن قسم «الخدمات الإلكترونية SIMPL/الضرائب على الخدمات الرقمية»، بالإضافة إلى عنوان بريد إلكتروني مخصص للدعم الفني لطلبات المعلومات (tsn_support@tax.gov.ma).

سعر عادي بنسبة 20% وآلية الربط الإقليمي

لم تتضمن المدونة العامة للضرائب بابا مستقلا تحت مسمى «الخدمات الرقمية»، بل أدرجت هذه المعاملات ضمن القواعد العامة للضريبة على القيمة المضافة ما دامت منفذة داخل النطاق الإقليمي للمملكة. ونظرا لعدم استفادتها من أي سعر مخفض، فقد تقرر إخضاعها للسعر العادي المتمثل في 20%.

الربط الإقليمي للضريبة اعتمد توصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE)، حيث تعتبر الخدمة المقدمة عن بعد نُفذت داخل المغرب بمجرد ما يكون المقر الضريبي أو الإقامة الفعلية للمستفيد تواجدها بالمغرب، بصرف النظر عن مكان تواجد الخدمة أو مقر الشركة الموردة.

تستثنى المعاملات بين الشركات (B2B) من هذا التدبير المباشر؛ ففي حالة ما كان الزبون المغربي خاضعا للضريبة على القيمة المضافة، يتواصل العمل بآلية «الاحتساب العكسي»، حيث يتسلم الزبون فاتورة خالية من الضريبة ويقوم بنفسه باحتساب 20% وتصريحها للإدارة.

كما يستمر تطبيق آلية الاقتطاع من المنبع على الخدمات المنجزة لفائدة الشركات المحلية. وتأتي المنصة الرقمية الجديدة لسد الفراغ في معاملات (B2C)، حيث يكون المستهلك النهائي غير خاضع للضريبة، مما ينقل عبء التحصيل المباشر والتصريح والتوريد إلى كاهل المنصة الأجنبية نفسها.

الامتثال الطوعي وورقة «الإشعار للغير الحائز»

تطرح المسألة الرقابية نفسها بشدة: كيف ستضمن مصلحة الضرائب المغربية أن المنصات التي تتخذ من خارج الوطن مقرا لها تقوم فعليا بتحصيل وتحويل ضريبة القيمة المضافة المستحقة؟ يرى الخبير المحاسباتي المهدي فقير أن الرهان الأساسي يكمن في الامتثال الإرادي للعمالقة الرقميين، مؤكدا أن السمعة الدولية لهذه المؤسسات والتزاماتها بقواعد الحكامة والمسؤولية الاجتماعية تشكل دافعا قويا للامتثال الطوعي.

وفي حال استدعاء أدوات الإكراه، أوضح فقير أن الإدارة الضريبية تملك خيار اللجوء إلى مسطرة «الإشعار للغير الحائز» (ATD) لتتبع الأداءات عبر الأبناك والمؤسسات المالية التي تمر عبرها الأداءات الرقمية، مما يترك «أثرا رقميا» يسهل حصر المعاملات وإعادتها للاقتطاع سلفا.

المستهلك المغربي يظل الحلقة الأكثر تأثرا، حيث يتوقع أن تنعكس هذه الضريبة على أسعار الاشتراكات والخدمات. والخبرة الدولية تشير إلى أن المنصات الكبرى غالبا ما تمرر العبء الضريبي كاملا أو جزئيا إلى المشترك النهائي، وهو ما يجعل الاشتراكات الرقمية أكثر كلفة.

لا يستبعد المهدي فقير هذا الارتفاع، لكنه شدد على أن جودة الخدمة المقدمة تبقى حاسمة في المعادلة، فالزبون يستمر في الإقبال على الخدمات متى ما كانت جودة المنتج تعوض الفارق السعري وتستجيب لمنطق العرض والطلب.

امتداد هذا التأثير قد يطال أيضا المقاولات المغربية التي تعتمد على الحملات الإعلانية الدولية أو الخدمات السحابية، مما يرفع من التكاليف التشغيلية، وإن كانت الشركات الخاضعة للضريبة تمتلك حق استرجاع تلك المبالغ وفق المساطر الجاري بها العمل.

العدالة الضريبية والمكتسبات المرجوة

إصلاح هذا القطاع يستجيب لمطالب قديمة رفعها الفاعلون المحليون في القطاع الرقمي، والذين ظلوا يتحملون أعباء ضريبية تُعفي منافسيهم الأجانب، مما خلق منافسة غير متكافئة في السوق الوطنية.

هذا التوجه يضع المغرب جنبا إلى جنب مع تجارب دولية متعددة كالاتحاد الأوروبي، المملكة المتحدة، أستراليا، اليابان، وعدة دول من أمريكا اللاتينية التي أقرت تشريعات مماثلة على الخدمات الرقمية العابرة للحدود.

الزمانية المتخذة لتطبيق هذا القرار تتزامن مع ورش الشمول الضريبي وتحديث المنظومة الوطنية، في وقت أضحت فيه مطاردة الأرباح الرقمية لعمالقة «GAFAM» انشغالا دوليا عابرا للقارات، يستهدف تفادي الازدواج الضريبي أو التهرب كليا من التضريب.

وحول النتائج المالية المتوقعة، أكد الخبير المحاسباتي صعوبة جزم الأرقام في المرحلة الراهنة، بالنظر لطبيعة المنظومة الاستهلاكية المستحدثة والتي ستتضح معالمها مع استمرار التطبيق.

ورغم غياب تقديرات رسمية لحجم المداخيل المتوقعة، فإن توسيع الوعاء الضريبي الرقمي يختزن مؤشرات إيجابية واعدة، بالنظر للتنامي المتسارع للإقبال على خدمات الإنترنت، التجارة الإلكترونية، والاشتراكات الرقمية بالمملكة.

وإلى جانب الموارد المالية المرتقبة، فإن التدبير الجديد سيساهم في رفع شفافية المعاملات الرقمية وتتبع تدفقاتها المالية، بما يعزز الامتثال الضريبي للشركات متعددة الجنسيات ويواكب مسار تحديث الإدارة الضريبية بالمغرب.

تحرير من طرف أودود لحسن أودود
في 03/08/2026 على الساعة 17:09