تسعيرة الرحلات والغازوال والتغطية الصحية.. مطالب سائقي سيارات الأجرة بالدار البيضاء تخرج إلى العلن

احتجاج سائقي سيارات الأجرة

في 08/10/2026 على الساعة 12:46

كثف سائقو سيارات الأجرة الصغيرة في العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، على غرار مهنيين في مدن أخرى بالمملكة، خطواتهم الاحتجاجية خلال الأيام الأخيرة تنديدا بتدهور أوضاعهم المهنية والمعيشية. ويطالب المحتجون بإقرار معالجة مستدامة لارتفاع أسعار مادة الغازوال، مع مراجعة التسعيرة المعمول بها، وتسوية ملف الحماية الاجتماعية، بجانب تقنين نشاط تطبيقات النقل الذكي واستئناف برنامج تجديد أسطول المركبات.

وفي هذا السياق، كشفت الإضرابات الميدانية التي شهدتها أحياء المدينة الأسبوع الماضي ومطلع هذا الأسبوع، عن احتقان متنام يتجاوز مجرد الامتعاض من تقلبات سوق الوقود. وتتداخل وراء هذا التحرك حزمة مطالب حيوية تتصل بتكاليف الاستغلال، والحد الأدنى للرحلة، وتأمين الحماية الاجتماعية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع النقل الحضري.

ويؤكد محمد آيت، المنسق الجهوي لـ«النقابة الوطنية لقطاع سيارات الأجرة» التابعة لـ«الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب»، أن «الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لمهنيي سيارات الأجرة تواصل التدهور في ظل ارتفاع كلفة الاستغلال وتراجع المداخيل بشكل حاد».

تسعيرة الرحلات وعبء المحروقات

يضع المحتجون على رأس أولوياتهم مراجعة الحد الأدنى لتسعيرة الرحلات، حيث يطالبون برفعها لتصل إلى 10 دراهم بالنسبة إلى الراكب الفردي و15 درهما للمجموعة المكونة من ثلاثة ركاب. ويرى السائقون أن الارتفاع المستمر لكلفة الغازوال استنزف مداخيلهم، خاصة وأن الدعم الاستثنائي الممنوح من طرف السلطات لم يعد كافيا لامتصاص حجم الأعباء اليومية المتزايدة.

وبناء عليه، تنضاف فاتورة الوقود الثقيلة إلى مصاريف الصيانة وقطع الغيار وواجبات التأمين والرسوم المهنية. ويوضح محمد آيت أن «الدعم الاستثنائي خفف نسبيا من وطأة الضغط، غير أن قيمته المالية تظل غير كافية، فضلا عن التعثر الذي يرافق صرف دفعاته».

وانطلاقا من هذه المعطيات، تلح الهيئة النقابية على إقرار آلية مستدامة تتمثل في إحداث «غازوال مهني» مدعم ومخصص للمهنيين، أو اللجوء كخيار بديل إلى تسقيف أسعار المحروقات الموجهة للنقل العمومي.

وعلاوة على ذلك، يطالب السائقون بالرفع من قيمة الدعم المالي الاستثنائي ليتطابق مع الارتفاع الحقيقي لأسعار المحروقات في السوق، مع ضمان انتظام صرفه شهريا. وأفادت النقابة في هذا الصدد بأن توقف صرف الدعم الخاص بشهر يونيو والنصف الأول من شهر يوليوز أضر كثيرا بالتوازن المالي للمهنيين.

ويمتد النقاش النقابي ليتجاوز أسعار المحطات نحو هوامش الربح التي تجنيها شركات التوزيع. وتطالب النقابة بفرض رقابة فعلية على السوق وتكريس الشفافية في تحديد الأسعار، بجانب اتخاذ تدابير ضريبية ظرفية تشمل الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة، ومراقبة أرباح موزعي المحروقات.

ويشدد آيت في هذا الإطار على ضرورة «فتح نقاش صريح حول تركيبة أسعار المحروقات وهوامش الربح، مع ضمان وصول المساعدات مباشرة إلى السائقين الممارسين في الميدان». وتقترح الهيئة المهنية الاستناد إلى معطيات البطاقة المهنية الإلكترونية لتحديد الممارسين الفعليين بدقة وتفادي أي اختلال في التوزيع.

مواجهة تطبيقات النقل الذكي

وتأتي منافسة تطبيقات النقل لتزيد من منسوب التوتر داخل القطاع، إذ يرى سائقو سيارات الأجرة أن انتشار منصات رقمية تشتغل خارج الإطار القانوني يخلق منافسة غير متكافئة تلحق ضررا بليغا بنشاطهم اليومي.

ومع ذلك، تنفي الهيئة النقابية معارضتها للتحول الرقمي، بل تدعو إلى وضع إطار تنظيمي يتيح للسائق المهني الاستفادة بدوره من الحلول التكنولوجية الحديثة. ويشير محمد آيت إلى أن «المسألة لا تتعلق برفض التكنولوجيا أو محاربة الرقمنة، بل بدمجها ضمن إطار قانوني يحمي المهني والمواطن معا».

وفي هذا الاتجاه، ترافع النقابة من أجل صياغة دفتر تحملات محدد ينظم النقل عبر المنصات الرقمية، مع الترخيص للسائقين المهنيين الحاصلين على «رخصة الثقة» الإلكترونية لممارسة نشاطهم عبر هذه التطبيقات، علاوة على إشراك الممثلين النقابيين في إعداد الترسانة القانونية المرتقبة.

معضلة التغطية الصحية وتراكم الديون

ويشكل ملف التغطية الاجتماعية نقطة خلاف محورية أخرى، حيث تنتقد النقابة الصيغة المعتمدة حاليا، والتي تجعل البطاقة المهنية معيارا لتحديد الانخراط وقيمة الاشتراكات الشهرية، دون التمييز بين الممارس الفعلي وبين من غادر الحرفة أو يمر بظروف انقطاع عن العمل ومداخيل غير منتظمة.

وأفضت هذه الوضعية إلى تراكم الاشتراكات والديون على عاتق عدد من حاملي البطاقات المهنية غير النشطين. ويعلق المنسق الجهوي قائلا: «لا يمكن إثقال كاهل مهنيين بديون وهم لا يمارسون المهنة أو يفتقرون لدخل منتظم دون معالجة أصل الإشكال أولا».

ومن هذا المنطلق، يدعو الفاعلون في القطاع إلى إسقاط الديون والاشتراكات المتراكمة وإعادة صياغة شروط الاستفادة بناء على الممارسة الميدانية، مع اعتماد رخصة الثقة الإلكترونية لضبط السائقين الفعليين واحتساب عدد أيام العمل الحقيقية.

كما تبرز في السياق نفسه وضعية السائقين المشتغلين لدى مستغلين يتوفرون على عقود متعددة أو لدى شركات خاصة. وتطالب النقابة بضرورة التصريح بهؤلاء الأجراء وفق مقتضيات «مدونة الشغل»، وترتيب الإجراءات القانونية بحق الجهات المخلة بالتزاماتها الاجتماعية.

تجديد الأسطول ورؤية هيكلية للقطاع

وتكتسي عصرنة حظيرة السيارات أهمية بالغة في الملف المطلبي، بعدما أضحى استبدال المركبات القديمة ضرورة ملحة للاستجابة للمعايير البيئية ومتطلبات السلامة ورهانات تحسين الخدمات.

وبناء عليه، يطالب المهنيون بإعادة إطلاق برنامج تجديد الأسطول وتسريع وتيرته، مع الرفع من قيمة الدعم المخصص ليتلاءم مع الغلاء المسجل في أسعار السيارات الجديدة. كما يدعون إلى تسهيل اقتناء مركبات هجينة أو كهربائية أقل استهلاكا للطاقة، شريطة تيسير شروط التمويل البنكي بما يتماشى مع القدرة المالية الواقعية للمهنيين.

ويؤكد محمد آيت في هذا الصدد أن «تجديد حظيرة السيارات ينبغي أن يتكامل مع تحول بنيوي شامل يركز على التحديث التكنولوجي والرقمي»، لتمكين سيارات الأجرة من مواكبة منظومات النقل الحديثة والارتقاء بجودة المرفق.

ويرى الفاعلون المهنيون أن تجاوز الوضع الراهن يقتضي بلورة رؤية استراتيجية واضحة المعالم، معربين عن قلقهم إزاء التأخر الحاصل في الإفراج عن نتائج الدراسة التي عهدت بها وزارة الداخلية إلى مكتب دراسات متخصص منذ العام الماضي، والتي يرونها وثيقة مرجعية لحسم مستقبل المهنة.

ويخلص آيت إلى أن «قطاع سيارات الأجرة لا يمكنه الاستمرار بالحلول الترقيعية في مواجهة إشكالات باتت بنيوية»، ما يجعل الانفراج رهينا بقرارات شجاعة تعالج ملفات المحروقات، والتسعيرة، والضمان الاجتماعي، والتنافسية، وعصرنة الأسطول في مسار إصلاحي موحد.

تحرير من طرف ريم بوصفيحة
في 08/10/2026 على الساعة 12:46