وأوضحت أحدث المؤشرات الصادرة عن بنك المغرب أن هذا المنحنى التصاعدي يواصل مساره رغم الانفراج الطفيف الذي شهده المعدل الإجمالي للتعثر، حيث تواصل حالات العجز عن السداد تسجيل مستويات مرتفعة في قطاعات اقتصادية حيوية، يتقدمها التجارة والصناعة وبناء العقارات والأشغال العمومية.
مسار تصاعدي في حجم القروض غير المستردة
قفزت الديون المتعثرة لدى المؤسسات البنكية بين يناير وماي 2026 إلى 105.97 مليارات درهم، مواصلة منحى النمو مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2025.
ويأتي هذا الارتفاع امتدادا للدينامية المسجلة خلال ختام سنة 2025، والتي شهدت تناميا في حجم القروض المعلقة بنسبة 5.2 في المائة لتصل إلى 103 مليارات درهم، بعدما ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة خلال سنة 2024.

وتظل هذه الوتيرة أدنى من المتوسط السنوي البالغ 6.8 في المائة والمحقق خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2015 و2023، بناء على ما كشفه التقرير الأخير حول الاستقرار المالي.
واستقر معدل التعثر في القطاع البنكي عند حدود 8.3 في المائة، مقابل 8.4 في المائة خلال سنة 2024، ما يعكس تحسنا في جودة الأصول البنكية للسنة الثانية على التوالي.
القطاعات الأكثر عرضة لمخاطر العجز عن السداد
تظهر البيانات قطاعيا تباينا واضحا في مستويات التعثر، إذ جاء قطاع التجارة في الصدارة بمعدل تعثر بلغ 15.6 في المائة مقابل 15.7 في المائة سنة 2024، تلاه قطاع الصناعات التحويلية بنسبة 15.3 في المائة بعدما كان يسجل 16.1 في المائة خلال السنة التي سبقتها.
وبلغ معدل التعثر في قطاع الفندقة 14.3 في المائة، متراجعا بشكل طفيف مقارنة بنسبة 14.4 في المائة، مع بقائه أدنى بكثير من متوسطه المسجل على مدى عقد كامل والبالغ 22 في المائة.

وسجل قطاع البناء والأشغال العمومية نسبة تعثر بلغت 14.1 في المائة مقارنة بنحو 14.8 في المائة في 2024، فيما شهد قطاع الفلاحة والصيد البحري قفزة لافتة في معدل التعثر ليصل إلى 13.2 في المائة بعدما لم يكن يتجاوز 10.4 في المائة في 2024، وهو ما يجسد هشاشة هذا القطاع أمام التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف.
وعلى مستوى الأسر، ارتفعت الديون المتعثرة بذمتها لصالح البنوك إلى 36 مليار درهم، بزيادة قدرها 4.3 في المائة، ليرتفع معدل التعثر لدى هذه الفئة إلى 10.9 في المائة مقابل 10.7 في المائة المسجلة سنة 2024.
توزيع الديون حسب درجة الخطورة وحجم المخصصات
يكشف توزيع الديون حسب فئات المخاطر عن هيمنة الديون الهالكة التي تستحوذ على 81 في المائة من إجمالي القروض المتعثرة، رغم تراجع حصتها بواقع 360 نقطة أساس، حيث سجل حجمها ارتفاعا محدودا بنسبة 0.7 في المائة ليستقر عند 82.9 مليارات درهم.
في المقابل، شهدت الديون المشكوك فيها ارتفاعا كبيرا بنسبة 68.3 في المائة لتصل إلى 14.8 مليارات درهم، رافعة حصتها إلى 14.4 في المائة من المجموع مقارنة بنسبة 9 في المائة قبل سنة.
وانخفضت الديون المهددة بالتعثر بنسبة 23.4 في المائة لتقلص حجمها إلى 5 مليارات درهم، متراجعة حصتها إلى 4.9 في المائة مقابل 6.7 في المائة سنة 2024.
ولمواجهة هذه القروض غير المستردة، رفعت البنوك حجم مخصصاتها المالية لتصل إلى 70 مليار درهم مع نهاية سنة 2025، بنمو قدره 3.8 في المائة، ليصل معدل التغطية الإجمالي للديون إلى 68 في المائة، بينما اقتصر هذا المعدل لدى البنوك التشاركية على 27.3 في المائة.
وتتفاوت نسبة التغطية حسب درجة الخطورة، إذ بلغت 75 في المائة للديون الهالكة، و47 في المائة للديون المشكوك فيها، بينما لم تتجاوز 12 في المائة للديون المهددة بالتعثر، وفيما يخص المؤسسات البنكية الثلاث الكبرى ذات الأهمية النظامية، فقد بلغت نسبة التغطية لديها 68.9 في المائة مقابل 69.2 في المائة نهاية 2024.
وإلى جانب المخصصات النوعية، شكلت البنوك مخصصات ذات طابع عام بقيمة 18 مليار درهم، بزيادة 5 في المائة، في خطوة استباقية لإدارة مخاطر الائتمان وفق النظم والمواصفات الدولية المعمول بها، ما يمنح المنظومة البنكية متانة إضافية أمام أي صدمات ائتمانية محتملة.
اختبارات التحمل والسيناريوهات الماكرواقتصادية
أجرى بنك المغرب اختبارات ضغط ماكرو-ملاءة شملت البنوك الثمانية الكبرى في المملكة، بالاستناد إلى ثلاثة سيناريوهات اقتصادية متفاوتة الصرامة والحدة.
ويرتكز السيناريو المرجعي الأول على التوقعات الاقتصادية لشهر يونيو 2026، ويتوقع استقرار متوسط معدل الديون المتعثرة عند حدود 9.8 في المائة خلال الفترة بين 2025 و2027، مع احتفاظ البنوك بتمويلات ذاتية وقائية مريحة ومعدل ملاءة متوسط يناهز 15.2 في المائة في أفق سنة 2027.
أما السيناريو الشديد، المفترض لارتفاع حدة التوترات في الشرق الأوسط وتأثر سلاسل الإمداد العالمية، فيتوقع ارتفاع معدل التعثر من 9.1 في المائة سنة 2025 إلى 11.1 في المائة سنة 2027، ما يجبر البنوك على تدعيم أدوات التغطية والمخصصات مع تراجع نسبة الملاءة بواقع 141 نقطة أساس.
وفي السيناريو القاسي، القائم على فرضية حدوث ركود اقتصادي حاد بالتزامن مع موجة جفاف قاسية سنة 2027، يرتفع متوسط الديون المتعثرة إلى 11.5 في المائة سنة 2026 ثم إلى 12.8 في المائة سنة 2027.
ورغم حدة هذا السيناريو الأخير، تظل النسبة المتوسطة للرأس المال الوقائي الصافي عند 13.6 في المائة والأساسي عند 10.3 في المائة، مما يتيح للبنوك الرئيسية مواصلة احترام الحد الأدنى من المتطلبات التنظيمية والاحترازية المعمول بها.
