ويعد بوصوف من النماذج البحثية الأصيلة التي استطاعت أنْ تنتج داخل الثقافة المغربية فكراً حداثياً لا يقطع مع الجذور المعرفية المغربية، بقدر ما يجعل منها أفقاً لبناء سردية فكرية تفكّر في البيئة المغربية وتتجاوز حدودها في آن واحد. لذلك حرص عبد الله بوصوف في كتاباته على إعادة الاعتبار للمغرب، باعتباره أفقاً للتفكير ومختبراً لاجتراح الأسئلة الفكريّة والخصوصيات الثقافية التي ينطبع بها في تاريخ المغرب. ويعتبر بوصوف أكثر المؤرخين الذين جعلوا من أجسادهم خدمة للثقافة المغربية، بحكم الأبحاث العلمية الغزيرة التي أنتجها في هذا الصدد.
يقول في كتابه الجديد «إن ما يقترحه هذا الكتاب في نهايته ليس حنينا إلى ماض بديل، ولا إدانة أخلاقية متأخرة، بل دعوة صريحة إلى استعادة الحق في التأويل، فالأمم لا تتحرر حين تستعيد سيادتها السياسية، بل حين تمتلك أدوات قراءة تاريخها، وتفكيك الصور التي صُنعت عنها، وإعادة بناء ذاكرتها بعيدا عن القوالب الجاهزة، وبعيدا عن الوصاية المعرفية المرتبطة بالتعالي المعرفي والحضاري، كما يمارسه الغرب اليوم في ظل مركزية شديدة التمركز حول الذات».
يضيف «بهذا المعنى فإن الحديث عن سردية عربية أصيلة، ليست إغلاقا، بل فتحا لمسار تفكير جديد: تفكير يرى في التاريخ مادة حيّة للصراع الفكري وفي الذاكرة مجالا للمساءلة وفي المعرفة مسؤولية لا تقل خطورة عن القوة. وهو ما يجعلنا نأمل في القارئ العربي الكريم، المساهمة في تحويل هذا المجهود التفكيري المتواضع إلى ورشة فكرية للنقاش والتدوال في شأننا العربي من منظور تعدد التخصصات والرؤى، وفي سياق إعادة قراءة تاريخنا وتراثنا بشكل يجعلنا قادرين على كتابة سرديتنا الخاصة، في زمن بات يتجه بسرعة مفطرة جارفة نحو التنميط والمطابقة».
