وتتميز الدورة الرابعة المنظمة بين 23 و25 من الشهر الجاري، ببرنامج ثقافي غني تسعى عبره إدارة المهرجان، إلى إبراز التجارب الأدبيّة الإفريقية الجديدة بكل ما يطبع نصوصها الشعرية والروائية من تجديد على مستوى الكتابة وقدرة على منج الكتابة أبعاداً إجرائية أكثر التحاماً بالتغيّرات السياسية والاجتماعية التي تطال إفريقيا اليوم.
وهذا الأمر جعل من مدينة مراكش تتحوّل إلى عاصمة للأدب الإفريقي، حيث قدّم مجموعة من الأدباء ابتداء من يوم الخميس 23 أبريل 2026 جملة من المداخلات العلمية المتحررة من الرتابة الأكاديمية، لكنها مداخلات قيّمة تنطلق من التجارب الشخصية في علاقة الكاتب بالأدب واللغة والوطن والانتماء ومؤسسات النشر، حيث تصوغ في هذا الصدد خطابا ثقافياً غزيراً يمتحن الأدب الإفريقي ويبرز أشكاله وأنواعه والأسس الفكرية التي يستند عليها في تخييل مادته الإبداعية.
فقد عملت كل من ليلى الشاوني ومليكة السلاوي وإيزابيل ساياه بوديس ولولا شونيه وديادي حيدارا ورودني سانت إليوي، على تفكيك فعل النشر بإفريقيا من خلال إبراز تحديات قطاع النشر والأسباب التي تحول دون تحقيق صناعة إفريقية في مجال النشر، وهي قضية مركية لا تنفصل عن الممارسة الإبداعية لكونها من العناصر المؤسسة التي تحقق فعل النشر.
لذلك قدّمت الأسماء المشاركة مداخلات تنطلق من تجاربها الشخصية داخل مؤسسات النشر، إذْ على الرغم من الطابع الذاتي الذي طبع هذه المداخلات، فإنّها قدّمت الكثير من الإشارات التي أبرزت بعمق مجمل التحديات التي تعاني منها صناعة الكتاب وتوزيعه داخل إفريقيا، خاصة حين يتعلق الأمر باللغتين العربية والإنجليزية.
ونظراً للبرنامج الثقافي النوعي الذي قدّمه المهرجان في مختلف دوراته المنصرمة، حظي مهرجان الكتاب الإفريقي بشهرة واسعة داخل فضاءات الكتاب والأدباء داخل الساحة الثقافية، فهو ينطلق من خصوصيات معينة، تجعله يتعامل مع إفريقيا، لا باعتبارها حيّزاً جغرافياً وإنما كمختبر منتج للأفكار والمواقف والصور، ذلك أنّ أغلب الأنشطة الثقافية ذات الصلة بإفريقيا، فهو يكشف عن الخصائص الفنية والجمالية التي يتميّز بها الأدب الإفريقي عبر تجاربه المتنوعة شعراً وقصّة ورواية في مختلف دول العالم.
ويقدّم المهرجان صورة دقيقة عن التحوّلات التي طرأت على الأدب الإفريقي منذ مراحل تشكل هويته الوطنية بعدما حصلت العديد من الدول الإفريقية على استقلالها، صوب مراحل متقدّمة أصبح فيها العديد من الكتاب الأفارقة يعيشون في المراكز الثقافية العالمية وينتجون العديد من النصوص الموازية لتلك التي ظهرت بعد الاستقلال.
ففي المرحلة الأولى ظهرت نصوص ظلت تمتح موضوعات من الأرض والاستقلال والاستعمار، حيث يشعر القارئ لكتابات هذه المراحل المبكّرة بالطريقة التي يغدو فيها الأدب وسيلة للتحرر من القوى الاستعمارية.
أما في المرحلة الثانية، فبرزت نصوص أكثر غزارة وتنوعاً من ناحية المواضيع، إذْ لم تعُد الكتابة الأدبية الإفريقية تقف عند مفهوم التحرر وتجعل منه وسيلة لفهم العالم، وإنما أصبح التركيز على عوالم ذات صلة بالطفولة والتاريخ والذاكرة والجسد والواقع والعنف وغيرها من الموضوعات التي فكك من خلالها الأديب الإفريقي حياته اليومية، وجعل منها وسيلة للتفكير والتأمّل في مجمل التحولات التي طالت إفريقيا خلال القرن العشرين.
من هنا تبرز قيمة مهرجان الكتاب الإفريقي، لكونه يعيد الاعتبار إلى هذا الأدب المنسي داخل في العالم، بل يقدم من خلاله نماذج أدبية متميّزة لها من القدرة أنْ تجعل من الكتابة الأدبيّة آلية للتفكير في المجتمع والذاكرة والتاريخ.
ذلك أنّ الأدب الإفريقي له ملامح الفنية وخصائصه الجمالية وميكانيزماته الفكرية التي تجعله أدباً عميقاً متأصّلاً في التجربة الإنسانية، لأنه أدبٌ ساير إيقاع التحولات السياسية والاجتماعية داخل إفريقيا منذ منتصف القرن الـ 20 وبالتالي، فهو يغدو اليوم عبارة عن وثيقة أدبية تُظهر المخاض العسير الذي عاشته إفريقيا من منتصف القرن العشرين.
كما أنه يبرز بعمق أن إفريقيا لم تكن يوماً تعيش على الهامش، بل استطاعت أنْ تلعب دوراً محورياً في تاريخ المسرح السياسي عبر الحركات التحررية التي ظهرت هناك والتي استطاعت إرساء العديد من المفاهيم المرتبطة بالحرية والعدل والمساواة.
والحقيقة أن ما يجعل هذا المهرجان مختلفاً، أنّه يساهم بطريقة موازية في تأصيل العلاقات المغربية الإفريقية من خلال الأدب، وهي مقاربة مختلفة لمفهوم العلاقات الدولية التي تتبلور من خلال الثقافة لا السياسة. إذْ يعتمد في أفقه الفكري على الرأسمال الرمزي ويسعى عبره إلى توسيع معالم العلاقات من خلال جعل الأدب عنصراً فاعلاً في نسيج هذه العلاقات المغربية الإفريقية.
كما أن المهرجان أضحى مساحة ثقافية للنقاش الحر بين الأدباء من مختلف الدول الإفريقية، حيث يقدّمون كتبهم وينخرطون في نقاشات ثقافية تتصادى في عواملها مع السياسة والتاريخ والذاكرة، إذْ يقدم كل كاتب إفريقي تصوّر للأدب وعلاقته بالكتابة والنشر انطلاقاً من تجربته الشخصية.
بهذه الطريقة أضحى مهرجان الكتاب الإفريقي بمراكش من اللحظات الثقافية المضيئة التي تمنح الثقافة المغربية بعضا من الهواء المُنعش الذي يحوّل المهرجان إلى فضاء إبداعي حقيقي متحرّر من رتابة السياحة الثقافية، حيث يغدو آلية من آليات التغيير الثقافي ومختبراً حقيقياً للتأمل والتفكير في العديد من القضايا والإشكالات المرتبطة بإفريقيا ونموها وتاريخها وذاكرتها وإبداعها.
كل ذلك في وقت تتحول فيه المهرجان الثقافية إلى عبارة عن فضاءات سياحية يكثر فيها التمجيد الثقافي وتتراجع ثقافة النقد الذاتي والاعتراف الثقافي إلى الوراء، مفسحة المجال إلى مجموعة من السلوكات وأنماط التفكير التي لا تزيد بعض المهرجانات إلى بؤساً وتنميطاً.
