ويقود ورش إعادة التأهيل تحالف يضم سبعة شركاء، يتقدمهم المخرج محمد فكران والمنتج نبيل حطاب، بدعم مالي من المركز السينمائي المغربي يصل إلى أربعة ملايين درهم، ضمن غلاف استثماري إجمالي يراوح بين 2.5 وثلاثة ملايين يورو.
وتنتصب بناية «أومبير»، التي تعود ملكيتها إلى عائلة مغربية يهودية، على بعد أمتار قليلة من سينما «أ بي سي»، حاملة ندوب الإغلاق منذ سنة 2005.
ورغم عقود الهجران، ظلت القاعة المشيدة سنة 1927 محتفظة بهيبتها المعمارية كشاهد على العصر الذهبي للفن السابع بالعاصمة الاقتصادية، قبل أن تلتقطها المبادرة الخاصة لإنقاذها من الاندثار.
وانطلقت فكرة المشروع إثر محادثة جمعت الصديقين المقيمين بفرنسا، حين عبر حطاب عن رغبته في إطلاق قاعة للعروض الحية تتسع لما بين 1000 و1500 متفرج.
واستحضر فكران ذكريات طفولته المرتبطة بالمكان قائلا: «كنت أرتاد القاعة صغيرا رفقة والدي، وحين علمت بإهمالها تمنيت دائما استعادتها، رغم يقيني باستحالة خوض ورش بهذا الحجم بمفردي». وأردف مخاطبا صديقه: «أملك كنزا نادرا، لا أحوز ملكيته بعد، لكنني أعرفه جيدا».
ودخل الشريكان البناية قبيل سفرهما في زيارة استكشافية حاسمة تحت جنح الظلام. ويروي فكران تفاصيل تلك اللحظة: «تحركنا على أضواء هواتفنا النقالة وسط عشرين سنة من الغبار المتراكم، وحسمنا القرار فورا دون تردد». وتوجه الطرفان مباشرة إلى الوكالة العقارية المكلفة بإدارة العقار ووقعا الاتفاق دون استحضار حجم التعقيدات التقنية التي تنتظرهما.
وكشفت عمليات التنقيب الأولية عن رصيد توثيقي غني ظل صامدا تحت الركام، شمل ملصقات عتيقة ووثائق أرشيفية وفواتير وبطاقات تعريف وطنية قديمة. وقرر المستثمرون تثمين هذه الشواهد المادية عبر تخصيص رواق متحفي مصغر عند مدخل القاعة لصيانة الذاكرة البصرية للمكان.
وانطلقت الأشغال الميدانية في شتنبر 2025 بعد تسلم المفاتيح في فبراير من السنة نفسها، حيث استلزم تشخيص الوضع الهندسي نحو ثلاثة أشهر لتقدير حجم التدخل المطلوب. وأظهرت المعاينة التقنية استحالة ترميم المقاعد المتهالكة التي يتجاوز عمرها نصف قرن، فتقرر الاحتفاظ بالهيكل الأصلي للبناية مع تجديد المرافق بالكامل وملاءمتها لمعايير السلامة تحت إشراف مكتب دراسات مختص.
ويشرف مهندس ديكور وتصميم على تحديث المنشأة التي صممها مهندس إيطالي في عشرينيات القرن الماضي، بهدف التوفيق بين أصالتها التاريخية ومتطلبات المراكز الثقافية الحديثة. وتركز الأوراش الراهنة على العزل الخارجي لحماية المبنى من تسربات المياه بعد تدعيم الجدران والشرفة الرئيسية، لتنطلق بعدها أشغال الكهرباء والتهوية وتثبيت التجهيزات السمعية البصرية فائقة التطور، في أفق استكمال الورش خلال الفصل الأول من سنة 2027.
وستحافظ «أومبير» على طابع الشاشة الواحدة رافضة نموذج المركبات السينمائية الضخمة، لتتحول إلى قطب إشعاعي مستقل يمنح مساحة واسعة للإنتاجات الوطنية. ونجح الفريق في جمع نحو 400 فيلم كلاسيكي من مختلف أنحاء العالم لتأسيس خزانة سينمائية تحاكي تجربة سينما «الريف» بطنجة.
وتتضمن الخطة البرامجية استضافة مهرجانات ولقاءات دورية مع المخرجين، وتنظيم أسابيع مخصصة لأفلام بروس لي وبوليوود والسينما الإفريقية واليابانية، بموازاة إطلاق شراكات مع المؤسسات التعليمية العمومية. كما صممت القاعة، التي ستوفر ما بين 750 و850 مقعدا، بنظام مقاعد قابلة للطي في الطابق الأرضي لتتحول بسلاسة إلى ركح للعروض الموسيقية والمسرحية.
ويستند هذا التحول الوظيفي إلى خبرة نبيل حطاب الطويلة في صناعة الترفيه بفرنسا، حيث أدار حفلات كبرى بقاعات باريسية شهيرة مثل «الأولمبيا» و«لا سيغال» عبر شركته «أديكتيف ميوزيك».
ويطمح حطاب إلى الجمع تحت سقف واحد بين السينما والموسيقى وعروض الكوميديا الفردية، عبر برمجة سنوية تستقطب نجوما دوليين ومواهب محلية.
وترتبط هذه المغامرة بروابط عاطفية عميقة، إذ كان والد حطاب من رواد القاعة الأوفياء في عقود مضت. ويكتمل هذا البعد الإنساني برغبة المنتج في تدشين الافتتاح بحفل لمجموعة «ناس الغيوان»، تكريما لأصول والدته المنحدرة من الحي المحمدي، معقل الظاهرة الغيوانية وأحد أبرز ينابيع الثقافة الشعبية المغربية.
