وتؤكد هذه الدورة، التي تنظمها وكالة تنمية جهة الشرق بشراكة مع عدد من المؤسسات الوطنية والجهوية، استمرار الرهان على الثقافة باعتبارها رافعة للتنمية الترابية وجسرا للتواصل بين مختلف المرجعيات والهويات، لاسيما في ظل مشاركة نخبة من المفكرين والكتاب والمبدعين من إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين وآسيا، وبرمجة فكرية تتوزع على 23 مائدة مستديرة تناقش قضايا الكتاب والترجمة والرواية والشعر والهجرة والذكاء الاصطناعي.
ويمتد إشعاع المعرض، بإلإضافة إلى عرض الإصدارات وتوقيع الكتب، إلى فتح نقاشات حول علاقة الثقافة بالمدينة والمجال الترابي، ودور الإبداع في بناء فضاء مشترك قوامه التعايش والتفاهم، وهو ما يترجمه حضور مؤسسات ثقافية وأكاديمية تسعى إلى ربط المعرفة بمحيطها الاجتماعي والتنموي.
وفي هذا السياق، أوضح ليونيل زامبا، المستشار السياسي لبرنامج «العاصمة الإفريقية للثقافة»، في تصريح خاص لـle360، أن مشاركة البرنامج في المعرض تندرج ضمن مبادرة إفريقية تروم النهوض بالثقافة الإفريقية والتعريف بها على نطاق واسع، من خلال الكتاب والنشر وإبراز إصدارات ودور نشر متخصصة في قضايا القارة وتاريخها وتراثها الثقافي، مشيرا إلى أن البرنامج يعتزم تنظيم مائدة مستديرة بعنوان «سرد إفريقيا انطلاقا من مدنها ومجالاتها الترابية»، لمناقشة كيفية تقديم الرواية الإفريقية من منظور يعكس خصوصيات المدن والمجتمعات الإفريقية، بما يتيح إعادة اكتشاف القارة من خلال تجاربها المحلية وتنوع تعبيراتها الثقافية.
ويعكس هذا الحضور الإفريقي بعدا أساسيا من أبعاد المعرض، الذي يسعى إلى توسيع فضاءات الحوار بين الثقافات، وإبراز دور الكتاب في نقل التجارب الإنسانية وتبادل المعارف، بعيدا عن الصور النمطية والقراءات المختزلة لتاريخ المجتمعات الإفريقية وواقعها.
ويشارك الطلبة بشكل مباشر في تأطير رواق المؤسسة والتعريف بتخصصاتها وأهدافها، في تجربة تبرز العلاقة الوثيقة بين الهندسة المعمارية والثقافة والفنون والتراث، وتسلط الضوء على دور التكوين الأكاديمي في مواكبة التحولات العمرانية والمجالية التي تعرفها الجهة.
وبموازاة ذلك، تحضر المؤسسات الثقافية التي تجعل من القراءة وتيسير الولوج إلى المعرفة جزءا من عملها اليومي، وفي مقدمتها المركز الثقافي «إكليل» بوجدة، التابع لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين.
وأكد محمد مومو، مسؤول المركز، في تصريح لـle360، أن المشاركة في المعرض تتم من خلال رواق خاص يقدم مختلف الخدمات والأنشطة الثقافية التي يوفرها المركز، مبرزا أن المؤسسة تتوفر على رصيد وثائقي يتجاوز 11 ألف وثيقة في مجالات معرفية متعددة، تشمل الأدب والعلوم والطب والهندسة والاقتصاد، مضيفا أن الرواق يشكل فرصة للتعريف بالمكتبة الرقمية للمركز، التي تضم أكثر من 67 ألف مرجع إلكتروني متاح للباحثين والقراء، بما يعزز إمكانات الوصول إلى المعرفة ويوسع فرص الاستفادة من الموارد العلمية والثقافية.
وشدد مومو على أن العمل الثقافي لا ينحصر في توفير الكتب والوثائق، بل يشمل أيضا تنظيم أنشطة فنية وإبداعية تروم تشجيع القراءة وتقريب الثقافة من مختلف الفئات، من خلال ورشات في القصص المصورة والفنون التشكيلية والرسم والنحت والموسيقى، منوها بشراكة المركز الثقافي «إكليل» مع وكالة تنمية جهة الشرق، معتبرا أن المشاركة في المعرض تتيح التعريف ببرامجه وخدماته، وتعزز انخراط المؤسسات الثقافية في إنجاح هذا الموعد السنوي الذي أصبح محطة بارزة في المشهد الثقافي بالجهة.
وبين الحضور الإفريقي، والانفتاح الأكاديمي، وتعدد المبادرات الرامية إلى تقريب المعرفة من الجمهور، تتجه دورة هذه السنة إلى ترسيخ موقع الكتاب باعتباره أداة للحوار والتفكير المشترك، وليس مجرد منتوج ثقافي معروض أمام الزوار. فالموعد يتيح للمدينة وساكنتها فرصة تجديد الصلة بالقراءة، واستكشاف تجارب إبداعية متنوعة، والانخراط في نقاشات تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
وتعزز البرمجة الموازية هذا التوجه من خلال أنشطة ولقاءات وورشات تنظم خارج فضاءات المعرض، برحاب جامعة محمد الأول وثانوية عمر بن عبد العزيز والمؤسسة السجنية المحلية بوجدة، إلى جانب معرض تشكيلي لفناني جهة الشرق، في مسعى لتوسيع دائرة الاستفادة من الفعل الثقافي والوصول به إلى فئات وفضاءات مختلفة.
وتتواصل فعاليات الدورة السادسة لمعرض «آداب مغاربية» إلى غاية فاتح نونبر المقبل، وسط تطلع إلى تعزيز إشعاع وجدة الثقافي وتكريس مكانتها فضاء للكتاب والقراءة والحوار، بما يجعل من الثقافة مدخلا لبناء عالم مشترك، قوامه التنوع والتعايش وتبادل الأفكار.
