بين مختبرات المعهد الوطني للبحث الزراعي وضيعات التجارب التابعة له، يولّد مستقبل واعد للثروة الحيوانية في المغرب بسواعد باحثين مغاربة، استطاعوا فك شفرة الوراثة وطوّعوا الجينات لمواجهة الجفاف. لإنتاج سلالات نادرة من الأغنام ذات مردود اقتصادي جيد، تجمع بين الخصوبة العالية وجودة اللحوم، والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
من استخراج الحيوانات المنوية إلى حقن النعاج وتثبيت الخصائص الوراثية للسلالة، ثم إخراجها من ضيعات التجارب إلى عند الكسابة، نقل فريق Le360 تفاصيل عملية قد تبدو سهلة في ظاهرها لكنها في الحقيقة جد معقدة. تفاصيل حصرية سننقلها في هذا التقرير.
التلقيح الاصطناعي.. ثورة علمية لإعادة تشكيل القطيع الوطني
داخل مختبرات المعهد الوطني للبحث الزراعي، وتحت إشراف نخبة من الباحثين والخبراء، تُطوَّر واحدة من أهم التقنيات الحديثة في مجال تربية الماشية، «التلقيح الاصطناعي لدى المجترات الصغرى »، وخاصة الأغنام. تقنية، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، إلا أنها ثمرة سنوات طويلة من البحث والتجريب والتطوير، كما تؤكد الدكتورة بشرى العميري، الباحثة في الإنتاج الحيواني بالمعهد الوطني للبحث الزراعي. إذ تحولت من تقنية بحثية معقدة إلى أداة واعدة لإعادة تشكيل القطيع الوطني، وتحقيق نقلة نوعية في مجال تربية المواشي بالمغرب خاصة وأنها تتيح تحسين الخصائص الوراثية للسلالات ونشر الصفات الجيدة داخل القطيع بسرعة أكبر.
تقول الدكتورة بشرى العميري : «التلقيح الاصطناعي ليس مجرد وسيلة للتناسل، بل هو أداة علمية لتحسين السلالات. فهو يسمح لنا باختيار أفضل الفحول والنعاج ونشر صفاتها الوراثية داخل القطيع» « إنه ثورة حقيقية في تحسين السلالات ».
وتوضح: تسميته بالتلقيح الاصطناعي، لا تعني تدخلا في الطبيعة، فالخلية تظل خلية طبيعية، والعملية تحاكي التناسل الطبيعي، لكنها تتم تحت مراقبة علمية دقيقة وتُدار بشكل محكم مع تدخل التقني أو الملقح».
وتضيف: «بدأنا الاشتغال على هذه التقنية منذ سنة 2005 بمركز سطات، لكن نقلها إلى الضيعات الفلاحية لم يتم إلا خلال السنوات الأخيرة بعد تحقيق نتائج جد مشرفة». مشيرة إلى أن التقنية تتطلب اشتغالا مزدوجا، على مستوى الزريعة (الحيوانات المنوية) عند الفحول وعلى مستوى البويضات عند النعاج، ثم البناء التركيبي الذي يجمع بين الذكر والأنثى».
في المرحلة الأولى من الأبحاث تقول الباحثة: « تم الاشتغال على الزريعة، أي الحيوانات المنوية، وكان التركيز أكثر على خصائصها لدى أصناف مختلفة. كما تمت دراسة النعاج لمعرفة المعيقات التي كانت تحد من خصوبتها. وبعد ضبط هذه الخصائص انتقلنا إلى مرحلة التركيب بين أفضل ما توصلنا إليه في الزريعة وأفضل ما وجدنا في النعاج ثم قمنا بعملية التلقيح الاصطناعي».
وفي شق الحيوانات المنوية، تشرح المتحدثة، «اشتغلنا كثيرا عن المخففات وحاولنا إضافة مكونات مغربية طبيعية مثل زيت الأرغان والصبار كي تبقى دائما بصمة مغربية في التلقيح الاصطناعي».
وتسمح هذه المخففات بتلقيح ما بين 10 و20 نعجة بجرعة واحدة فقط من السائل المنوي، وهو ما يُعد مكسبا كبيرا، إذ أن التناسل الطبيعي يتطلب جرعة واحدة لكل نعجة.
تحسين الخصائص الوراثية للسلالات
ركز البحث الزراعي جهوده على السلالات الجيدة والنادرة وذات المردود الاقتصادي العالي، بهدف إنتاج مواليد ذات جودة أفضل. وفي هذا الإطار عمل الباحثون على تحسين الخصائص الوراثية للسلالات عبر اختيار أفضل النعاج والفحول ذات الخصائص الوراثية الجيدة والقيمة الوراثية العالية في مختلف السلالات، مثل الصردي وبوجعد و والدمان والتمحضيت، وهي سلالات محلية متميزة بخصائص تأقلمها مع الظروف التي تتواجد بها وبإنتاجية عالية.
واحدة من هذه السلالات التي طورها خبراء المعهد الوطني للبحث الزراعي بسطات، مستعينين بتقنيات متقدمة مثل التلقيح الاصطناعي وتحسين الخصائص الوراثية، أطلق عليها اسم« INRA 180″. سلالة لا تكتفي بـ« الخروف الواحد»، بل تبشر بعصر « التوائم » لكونها قادرة على ولادة توأمين، وأحيانا ثلاثة وحتى أربعة خرفان دفعة واحدة، وهي خاصية نادرة تقود لثورة في الإنتاج الحيواني وإعادة تشكيل القطيع الوطني، والأكثر من ذلك قادرة على مواجهة قسوة الجفاف.
إقرأ أيضا : تلِد التوائم وتتأقلم مع الجفاف.. « INRA 180 » سلالة أغنام مغربية تُبشّر بثورة في الإنتاج الحيواني
سلالة نادرة
داخل إحدى ضيعات التجارب التابعة للمعهد الوطني للبحث الزراعي ضواحي الرباط، التي زارها فريقنا يوم الجمعة 4 يوليوز2025، وتحت شمس هادئة ترعى مجموعة من النعاج، ذات بنية جسمانية قوية، طويلة كالصردي والدمان ووجها بني كأغنام سلالة تمحضيت، للوهلة الأولى يبدو المشهد عاديا، لكن خلف هذه النعاج، سنوات طويلة من البحث العلمي والتجارب المخبرية التي قادت إلى تطوير سلالة جديدة تتميز بقدرتها العالية على ولادة التوائم، وجودة لحومها، وقدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية، ما يجعلها أحد أبرز ثمار البحث الزراعي في خدمة الأمن الغذائي، في بلد يواجه تحديات متزايدة بفعل توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على اللحوم الحمراء.
أطلق عليها اسم «INRA 180»، لكون كل 100 نعجة يمكن أن تعطي 180 خروفا، لتفتح آفاقا واعدة أمام قطاع تربية المواشي. ولم يكن ظهورها وليد الصدفة، بل ثمرة صبر علمي دام قرابة عقدين من الزمن، فكل سلالة تحتاج بين 15 سنة و20 سنة لتثبيت خصائصها الوراثية.
هذه السلالة، ووفق ما أكدته الدكتورة بشرى العميري، الباحثة في الإنتاج الحيواني بالمعهد الوطني للبحث الزراعي، هي نتاج تهجين مدروس بين صنفي «تمحضيت» (الإناث) و«الدمان» (ذكور)، الصنف الأول معروف بقدرته على التكيف مع الظروف المناخية القاسية وتحمله للجفاف، بينما يتميز الصنف الثاني بخصوبته العالية. والنتيجة سلالة هجينة تجمع بين الصبر والخصوبة.
تقول الباحثة: «سميناها INRA 180 لأن كل 100 نعجة من هذه السلالة يمكن أن تُنتج 180 خروفا، أي أن نسبة التوائم مرتفعة جدا مقارنة بالسلالات المحلية».
وتوضح العميري أن السلالات المحلية في المغرب غالبا ما تلد خروفا واحدا في السنة، بينما تسمح هذه السلالة الجديدة برفع الإنتاج بشكل ملحوظ. وتضيف:«هذا القطيع يتكون من 180 نعجة تقريبا ينقسم بين نعاج بالغة وأخرى تلد لأول مرة، نحو 40 في المائة منها يمكن أن تلد توأمين، وبين 30 و38 في المائة قد تلد ثلاثة توائم، بينما يمكن لعدد محدود أن يلد أربعة خرفان وهو أمر نادر في السلالات المغربية، لكننا لا نشجع على ولادة 4 توائم لأن الأم تكون غير قادرة على رعايتهم جميعا».
ولا تقتصر مزايا هذه السلالة على خصوبتها المرتفعة فقط، بل تشمل أيضا قدرتها على التكيف مع الظروف البيئية الصعبة، خاصة في ظل التغيرات المناخية والجفاف المتكرر الذي يشهده المغرب خلال السنوات الأخيرة. وتُعد هذه الخاصية امتدادا لمميزات سلالة «تمحضيت»، التي تم استخدامها كقاعدة في هذا التهجين.
وتضيف الباحثة: «هذه نتائج سنوات طويلة من البحث العلمي. فكل سلالة تحتاج ما بين 15 و20 سنة حتى يتم تثبيت خصائصها الوراثية. واليوم نقدم INRA 180 كنموذج على قدرة البحث الزراعي المغربي على تطوير حلول عملية تخدم الفلاحين وتعزز الأمن الغذائي».
ولم تتوقف طموحات البحث الزراعي عند حدود « إينرا 180 »، ففي قلب تادلة، يتم تطوير سلالة أخرى داخل ضيعات المركز الجهوي للبحث الزراعي، أطلق عليها اسم « الدروة »، لتكون سلاحا علميا آخر لمواجهة تحديات المناخ على الأمن الغذائي.
هذا الصنف، الذي نال الاعتراف الرسمي من مصالح وزارة الفلاحة عام 2020، هو ثمرة تهجين بين سلالتي « الدمان » و« أبي الجعد« . واليوم، لم تعد « الدروة» مجرد أبحاث مخبرية، بل بدأت بالفعل في الانتشار بين ضيعات المربين.
ومن وجهة نظر الدكتور بدر بن جلون، رئيس المركز الجهوي للبحث الزراعي بالرباط، فتطوير سلالات مثل «الدروة» و«INRA 180» يندرج ضمن جهود أوسع تهدف إلى تعزيز قدرة القطيع الوطني على التأقلم مع التغيرات المناخية ورفع مردوديته الاقتصادية.
وأوضح المسؤول في حديثه مع Le360، أن «قطاع تربية المواشي يواجه تحديات كبيرة بسبب الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج. والبحث الزراعي يقدم اليوم حلولا عملية من خلال تحسين السلالات المحلية ومضاعفة إنتاجيتها».
وبعد سنوات من التجارب داخل محطات البحث، ولضمان استمرارية هذا المشروع البحثي، والحفاظ على هذه الموارد الجينية للحيوانات، أطلق المعهد الوطني للبحث الزراعي برنامجا لدعم الكسابة في جهة الرباط وتادلة، يتمثل في تزويد المربين بنعاج وخرفان من سلالة INRA 180″" و« الدروة » بأثمنة رمزية، بهدف تشجيعهم على تبني هذه السلالات والرفع من مردوديتهم، خصوصا في المناطق الجافة أو ذات الموارد المحدودة.
يقول أحد الكسابة الذين جربوا السلالة الجديدة إن ولادة التوائم « غيرت حسابات الإنتاج داخل الضيعة».
وإذا كانت الوراثة هي من رسمت الخريطة الجينية لهذه السلالات، فإن التلقيح الاصطناعي هو الذي عبّد الطريق لنشر هذه الجينات داخل القطيع في وقت قياسي. ليصبح اليوم إحدى أهم الأدوات العلمية لإعادة تشكيل القطيع الوطني وتعزيز الصفات الوراثية الجيدة داخل قطعان الأغنام. فماهي خصائص هذه التقنية؟ وكيف تتم؟
كيف تتم عملية التلقيح الاصطناعي؟
تبدأ العملية باختيار نعاج ذات خصوبة عالية والخصائص الوراثية المميزة والخالية من الأمراض، ثم يتم وضع إسفنجات مهبلية تحتوي على هرمونات تساعد على التحكم في دورة التبويض. وبعد نحو 15 يوما يتم نزع هذه الإسفنجات وحقن النعاج بهرمون آخر لتحفيز إنتاج البويضات، قبل إجراء عملية التلقيح بعد حوالي 55 ساعة.
النتائج الحالية، بحسب الفريق العلمي، تبشر بنجاح كبير، حيث وصلت نسب الإنتاج إلى ما بين 65% و70%، وهو ما يعكس نجاعة المقاربة العلمية في تحسين الخصوبة والإنتاجية.
لكن، و بالرغم من هذا النجاح، إلا أنه ما تزال هناك صعوبات تواجه الباحثين، على سبيل المثال، الحيوانات المنوية التي يتم استخراجها خلال عملية التلقيح الاصطناعي من الضروري تخفيفها واستعمالها في ظرف ساعات قليلة وإلا تتعرض للتلف. وهي الإشكالية التي تعكف الأبحاث حاليا على حلها عن طريق الاشتغال على تطوير تقنيات لتجميد الحيوانات المنوية وتخزينها بهدف الحفاظ على السلالات الجيدة ونشرها على نطاق أوسع داخل القطيع الوطني.
نحو إعادة تشكيل القطيع الوطني
يرى الخبراء، أن تقنيات التلقيح الاصطناعي وتحسين السلالات يمكن أن تلعب دورا محوريا في إعادة تشكيل القطيع الوطني بشكل علمي، من خلال تعزيز الخصائص الوراثية الجيدة لدى الأغنام وزيادة إنتاجيتها.
وتختتم الدكتورة بشرى قائلة: «نحن لا نقوم فقط بعمليات تلقيح، بل نعمل على إعداد مستقبل القطيع الوطني. فاختيار أفضل الفحول والنعاج والتحكم العلمي في دورة التناسل يسمح بنشر القيمة الوراثية الجيدة للسلالات المحلية، وهو ما سيكون له أثر كبير على الإنتاج الحيواني وعلى الأمن الغذائي في المغرب». « إنها ثورة في مجال الإنتاج الحيواني تحمل أثرا على المدى الأوسع»، مشدة على أن التقنية «تستلزم خريطة واضحة تخول الربط الجيد بين الضيعات لنشر القيمة الوراثية لسلالات المحلية».
وبين جينات محسنة وتقنيات تلقيح متطورة، يواصل البحث الزراعي رسم الطريق نحو تعزيز السيادة الغذائية للمملكة.
فهذه السلالات لم تعد مجرد إنجاز علمي داخل مختبرات البحث الزراعي، بل أصبحت شهادة ميلاد لجيل جديد من الحلول المغربية لضمان الأمن الغذائي. سلالات تحمل على ظهورها آمال آلاف الكسابة، وتخط بمميزاتها الوراثية ملامح مستقبل لا يخشى تقلبات السماء.