وكشفت الهيئة الحقوقية، في بلاغ صحفي، أن المعطيات والتقارير الرسمية تسجل معاناة ما يناهز 6.5 ملايين مواطن مغربي من اضطرابات نفسية وعقلية، من بينهم نحو مليوني طفل وشاب، يتصدرها الاكتئاب المزمن والتوتر الحاد الناجم عن تفاقم البطالة والفقر والنزاعات العائلية وتعاطي المخدرات.
وتتجلى ملامح هذه الأزمة، تبعا للبلاغ ذاته، في عجز نحو 85 في المائة من المصابين عن الوصول إلى مسارات التكفل والاستشفاء، الأمر الذي أفرز قفزة مقلقة في مؤشرات الانتحار لتصل إلى 7.2 حالة لكل 100 ألف نسمة، في ظل غياب شبه تام لبرامج وقائية وعلاجية مستدامة.
خصاص مهول في الأطر وشلل بالقطاع العام
وعزت الشبكة ما وصفته بـ« الانهيار الميداني » إلى فقر حاد في الموارد البشرية المتخصصة، إذ لا يتجاوز عدد الأطباء النفسانيين 450 طبيبا بالقطاعين العام والخاص مجتمعين، يساندهم نحو 1000 ممرض متخصص في التمريض النفسي، لتستقر حصة المنظومة عند أقل من 1.2 طبيب لكل 100 ألف نسمة، في مفارقة شاسعة مع المعايير الدولية الموصى بها والتي تتراوح بين 9 و20 طبيبا لكل 100 ألف مواطن.
وينعكس هذا النقص البنيوي على المستشفيات العمومية التخصصية التي تشهد اختناقا حادا وعجزا في استيعاب الحالات الوافدة، كما هو الشأن بمستشفيات «الرازي» بكل من سلا والدار البيضاء وطنجة ومراكش، حيث تمتد طوابير الانتظار لنيل سرير استشفائي إلى قرابة عام كامل.
وفي خضم شلل العرض العمومي، تفرض المصحات الخاصة تعريفات خيالية لا تغطيها سلة الخدمات الأساسية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بشكل منصف، مما يضع الأسر محدودة ومتوسطة الدخل أمام خيارين أحلاهما مر: إما استنزاف المدخرات وتحمل تكاليف تفضي إلى الإفلاس، أو حرمان المريض من حق العلاج.
الشارع والشعوذة بديلا عن المصحات
وأمام انسداد آفاق الاستشفاء الرسمي، تجد آلاف الأسر المكلومة نفسها مجبرة على التوجه صوب الأضرحة وممارسي الشعوذة بحثا عن أمل موهوم، بينما تضطر عائلات أخرى، أمام شراسة الاضطرابات السلوكية وغياب السند الطبي، إلى التخلي عن مرضاها ليواجهوا مصير التشرد في شوارع المدن.
وحذرت الهيئة من العواقب الميدانية المترتبة عن هذا الإهمال، وما ينطوي عليه من تهديد مباشر لسلامة المرضى أنفسهم المعرضين للاعتداء والاستغلال، وسلامة المواطنين في الفضاء العام، منتقدة في السياق ذاته لجوء بعض السلطات المحلية إلى إبعاد هؤلاء المرضى عن مراكز «المدن السياحية» ونقلهم تعسفيا لرميهم في قارعة الطريق بمناطق أخرى.
ظهير متقادم وتحفظات على مخطط 2030
وعلى المستوى القانوني والتنظيمي، شدد البلاغ على أن قطاع الصحة النفسية بالمملكة لا يزال محكوما بظهير يعود إلى سنة 1959، وهو نص قانوني تجاوزته المعايير الدولية المعاصرة لخلوه من ضمانات الموافقة المستنيرة والرقابة القضائية وضوابط الحماية القانونية للأطقم الطبية والأمنية أثناء التعامل مع الحالات الحرجة.
وأدانت الشبكة تعثر الإفراج عن مشروع القانون رقم 71-13 الذي ظل محتجزا داخل رفوف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لأزيد من عشر سنوات، مؤكدة أن السياسات العمومية لا يمكن أن تقتات على الشعارات الرقمية دون أثر ميداني ملموس.
وسجلت الهيئة مؤاخذات صريحة على «المخطط الوطني للصحة النفسية 2030»، الذي رصدت له ميزانية 4 مليارات درهم عبر 86 إجراء، منبهة إلى خطورة التركيز على تشييد «الطوب» والأسمنت على حساب الاستثمار في الموارد البشرية وبرامج الوقاية والكشف المبكر بالرعاية الصحية الأولية، إلى جانب تغييب الإعفاء الشامل بنسبة 100 في المائة ضمن نظام «أمو» و«أمو تضامن».
مطالب عاجلة لإنقاذ الحق في العلاج
وخلص البلاغ، الموقع من طرف رئيس الشبكة علي لطفي، إلى توجيه حزمة مطالب استعجالية إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ترتكز على المراجعة الفورية للتعرفة الوطنية المرجعية، وتقليص نسب المصاريف الملقاة على عاتق الأسر، مع تشديد الرقابة الصارمة على تسعيرات القطاع الخاص وتأمين تدفق الأدوية النفسية الأساسية بالمستشفيات العمومية.
وشددت الشبكة على أن الصحة النفسية والعقلية ترتبط ارتباطا وثيقا بالكرامة الإنسانية وبنود الدستور، رافضة تحويل الحق في الاستشفاء إلى امتياز نخبوي مخصص للقادرين على الدفع دون سواهم.
