وعاينت كاميرا Le360 من أحد المنازل العتيقة بتازة، انخراط الساكنة في إحياء هذا الطقس، من خلال مختلف المراحل المرتبطة بجمع زهر النارنج « الرنج » والتحضير لعملية التقطير داخل الفضاءات التقليدية، في أجواء تعكس استمرارية هذا الموروث وانتقاله بين الأجيال بنفس الزخم والاهتمام.
وتبدأ عملية التقطير بقطف أزهار النارنج بعناية خلال الصباح الباكر، قبل جمعها وتنقيتها وتركها لتذبل بشكل طبيعي بعيدا عن أشعة الشمس، وهي مرحلة أساسية تسبق الشروع في التقطير باستعمال وسائل تقليدية تضمن الحفاظ على جودة المنتوج وخصائصه الطبيعية، فيما تحرص النساء على تهيئة فضاء التقطير من خلال تنظيفه وتبخيره، حيث تنطلق العملية في أجواء يسودها الدعاء وارتداء اللباس التقليدي، بما يعكس البعد الرمزي والاجتماعي لهذه الممارسة داخل الثقافة المحلية.
وفي هذا السياق، أفادت أمال الشراط المجدولي، عضوة بمؤسسة دار السماع بتازة، في تصريح لـLe360، أن تقطير ماء الزهر يمر عبر مراحل دقيقة تبدأ بانتقاء زهر النارنج وتجفيفه، قبل وضعه في أواني التقطير مع التحكم في درجات الحرارة، بما يضمن جودة المنتوج النهائي والحفاظ على خصائصه.
وأضافت أن عملية التقطير تعتمد على «القطارة» كأداة تقليدية أساسية، وهي إناء نحاسي يتكون من ثلاثة أجزاء، تتمثل في «البرمة» التي توضع فيها المياه، و«الكسكاس» المثقوب الذي يوضع فيه الزهر، ثم «قبة القطارة» التي تغلق الجهاز وتملأ بالماء البارد، مع إحكام السد بين الأجزاء لمنع تسرب البخار، قبل وضعها على نار متوسطة لاستخلاص ماء الزهر في ظروف دقيقة.
وأوضحت المتحدثة أن هذه العملية تمر عبر ثلاث مراحل تعرف بـ«التقطيرات الثلاث»، حيث تنتج التقطيرة الأولى ماء زهر مركزا عالي الجودة يستعمل في العطور والتجميل والمناسبات، فيما تخصص التقطيرة الثانية للاستعمالات الغذائية في إعداد الحلويات والمشروبات، بينما تستعمل التقطيرة الثالثة كمعطر طبيعي للأفرشة والملابس، ما يعكس تنوع استعمالات هذا المنتوج التقليدي وحضوره في الحياة اليومية والمناسبات المغربية.
ومن المرتقب أن تتواصل فعاليات «موسم الزهر» إلى غاية 17 ماي الجاري، في أجواء تحتفي بالتراث اللامادي لمدينة تازة عبر برمجة متنوعة تجمع بين العروض الثقافية والفنية واللقاءات الفكرية، على أن تختتم هذه التظاهرة بحفل «نزاهة الموسم»، في لحظة احتفالية تعكس البعد الروحي والجمالي لهذا الموعد السنوي، وتؤكد في الآن ذاته استمرار ارتباط تازة بذاكرتها التراثية وانفتاحها على المستقبل من خلال الثقافة كجسر بين الأجيال.
