شبكات التواصل والمراهقون وحيرة الآباء.. جيل يترعرع في قبضة الخوارزميات دون حماية

مراهقة تستخدم هاتفها

في 30/08/2026 على الساعة 07:00

رضع يستهلكون الشاشات قبل بلوغهم شهرهم السادس، ومراهقون يقعون أسرى لسطوة المنصات الرقمية؛ قلق متواصل، عزلة خانقة، وضياع تام للمعالم. تلك كلفة باهظة يتكبدها جيل نشأ في قبضة خوارزميات بلا ضوابط، بينما يقف الآباء عاجزين أمام هذا الاجتياح الرقمي الصامت.

تروي كنزة، وهي أخصائية ترويض طبي تبلغ من العمر 30 عاما، كيف اعتادت قريبتها وضع الهاتف أمام عيني رضيعتها منذ أشهرها الأولى: «كلما زرناها، تسارع ابنة خالي إلى إلصاق الشاشة بوجه طفلتها لكسب بضع دقائق من الهدوء، مع أن الرضيعة لم تكن قد تجاوزت شهرها السادس».

وتضيف كنزة أن السلوك تحول إلى عادة لا تنقطع: «مع كل نوبة بكاء أو تململ، كانت تضع أمامها مقاطع أناشيد تدوم ساعتين متواصلتين، ورسوما متحركة، وسلاسل متتالية من «بيبا بيغ»، وبثا لا ينقطع لقناة «طيور الجنة». كانت الصغيرة تسمر عينيها في الشاشة دون أن تطرف لها جفن، وتنام على ذلك الوضع».

ومع توالي الزيارات، لاحظت العائلة انغلاق الطفلة التام على نفسها: «شاهدناها تنفصل عن الواقع تدريجيا، حتى تلاشت الكلمات القليلة التي كانت ترددها في بداياتها. أصبحنا أمام طفلة شاردة الذهن، تتفادى التقاء الأعين، ولا تتفاعل مع أي شيء سوى ضوء الشاشة».

إنكار الأمهات وفاتورة الأبناء

جاءت الصدمة مع ولوج الطفلة قسم التعليم الأولي، بعدما أصدرت إدارة المدرسة حكما قاطعا مفاده أن الصغيرة «لا تتكلم إطلاقا ولا تتواصل سوى بصراخ حاد».

وفي المقابل، اختارت الأم منطق الإنكار، إذ تتابع كنزة بحسرة: «رفضت رفضا قاطعا استشارة طبيب نفسي للأطفال أو أخصائي نطق، وظلت متوهمة قدرتها على تدارك الموقف بمفردها داخل البيت».

وبعد مرور ثماني سنوات، لا تزال الطفلة تدفع ثمن تلك البدايات. توضح كنزة: «تبلغ الصغيرة اليوم ثماني سنوات، وتعاني تأخرا حادا؛ إذ تعجز عن تركيب جملة من ثلاث كلمات وتعيش معاناة يومية قاسية، بينما تصر والدتها على تجاهل الحقيقة الصادمة».

وأمام التنمر الذي تواجهه في المدرسة وعجزها عن الكتابة بشكل سليم، ترتمي الطفلة كل مساء في أحضان الملاذ نفسه الذي كرس أزمتها، وتضيف كنزة: «للهرب من كل ذلك، تسارع بمجرد عودتها إلى البيت للإمساك بأول هاتف تصادفه، لتقضي ساعات في تصفح مقاطع «تيك توك» و«إنستغرام» بالنظرة الشاردة ذاتها».

وعلى المنوال نفسه، تروي هدى، وهي مهندسة ديكور داخلي وأم لرضيع يبلغ 14 شهرا، مشاهدتها لواقعة مماثلة لدى أصدقائها: «كنا في زيارة لأصدقاء وكانت طفلتهم البالغة سنتين تبكي بصراخ عال.

في غضون ثوان معدودة، وضع والدها أمام وجهها هاتفا يبث أناشيد على منصة «يوتيوب» بألوان صاخبة. وقع الأمر كالسحر؛ تجمدت الصغيرة في مكانها شاخصة البصر وفمها مفتوح كأنها تحت تأثير مخدر. كان المشهد مرعبا حقا».

وترى هدى أن الخطر يكمن في سرعة الاستسلام لهذا الخيار السهل: «حين يبكي طفلك بعد يوم عمل شاق، وأنت منشغل بإعداد العشاء، تصبح الرغبة في إسكاته بأسهل الطرق جارفة. لكن النتيجة واضحة؛ أطفال عاجزون عن تحمل أدنى درجات الإحباط أو الملل دون شاشة».

وتعرب هدى عن تخوفها من وطأة الضغط الاجتماعي مستقبلا: «أخشى نظرة المحيط حين يكبر طفلي، حيث يرمقونك كأم متخلفة إذا منعت عنه الشاشات. نحتاج فعليا إلى حملات تحسيس حقيقية وقرارات حظر صارمة منذ السن المبكرة».

وفي القنيطرة، تقف سندس، وهي محاسبة وأم لطفلين، على الفارق المقلق بين الصغيرين: «ألمس اختلافا واضحا في السلوك، وهو ما يثير خوفي على طفلي الأصغر ذي الـ18 شهرا. الابن الأكبر ذو السنوات الست يدخل في نوبة بكاء حادة إذا حُرم من اللوحة الإلكترونية، ولم يعد قادرا على اللعب بمفرده بالمجسمات أو المكعبات لعشر دقائق، بل بات يطلب إثارة بصرية مستمرة».

ويتعاظم قلق سندس بشأن طفلها الأصغر: «يرعبني أن ينشأ في بيئة يفقد فيها العالم الواقعي بريقه مقارنة بإيقاع المنصات السريع. إذا لم تُحظر هذه التطبيقات أو توضع قيود عمرية صارمة، فكيف سأحميه من وباء فرط الحركة وضعف الخيال؟».

مراهقة تحت وصاية «المؤثرات»

يرى يوسف، وهو إطار بنكي في الثامنة والأربعين من عمره، أن ابنته البالغة 15 عاما باتت أسيرة لعالم افتراضي منفصل: «منذ أن بسط «إنستغرام» و«تيك توك» سيطرتهما على تفاصيل حياة المراهقين، خرج الوضع عن السيطرة تماما. لم تعد ابنتي تتحدث سوى عن العلامات التجارية الفاخرة، والمقاهي العصرية، والفنادق المصنفة بمراكش، ومستحضرات التجميل الباهظة التي تروج لها المؤثرات المحليات».

وانتقلت حمى التنافس إلى الفصول الدراسية بالثانويات؛ إذ يشير يوسف إلى أن «التلاميذ يقضون أيامهم في مقارنة مستويات عيشهم، وملابسهم، وأماكن خروجهم. وإن لم تكن حاملا لأحدث طراز من الهواتف الذكية أو ترتاد الأماكن الرائجة، تجد نفسك مهمشا بصورة تلقائية بين زملائك».

ويفرز هذا الواقع، بحسب المتحدث، «جيلا شديد المادية، وسطحيا، ويعيش إحباطا دائما. وبالنسبة إلينا كآباء، فإننا نواجه ضغطا ماليا ونفسيا مضنيا، بين الرغبة في حماية الأبناء والخشية من تعرضهم للإقصاء الاجتماعي».

ويطالب يوسف بتدخل تشريعي حاسم: «هذه المنصات تبيع أوهاما وتستغل براءة اليافعين دون أدنى التزام أخلاقي. لا بد من تقنين صارم لـ«صناع المحتوى» وحظر خوارزميات المقارنة الاجتماعية على القاصرين».

من جانبها، ترصد خديجة، وهي أستاذة بسلك التعليم الإعدادي في سلا منذ 18 سنة، تحولا مقلقا في سلوك المتمدرسين: «شهد العامان الأخيران انقلابا مخيفا داخل الأقسام؛ إذ يلج التلاميذ الحصص منهكين، بوجوه شاحبة وأعين محمرة جراء السهر طوال الليل تحت الأغطية لمتابعة البث المباشر على «تيك توك» ومجموعات «واتساب»».

وتنعكس هذه الممارسات مباشرة على التحصيل الدراسي: «لا يستطيع التلاميذ الحفاظ على تركيزهم لأكثر من ثلاث دقائق، قبل أن تشرد أذهانهم؛ فقد اعتادوا مقاطع الفيديو الخاطفة ذات الـ15 ثانية والقفز السريع بين المحتويات».

غير أن المعضلة الأكبر، حسب الأستاذة، تتجلى في «تراجع الاحترام؛ حيث ينقل المراهقون إلى داخل الفصل سلوكيات بذيئة وتحديات عبثية يتابعونها على مدار الساعة. لقد تراجعت قيمة العمل والاجتهاد والمطالعة لصالح اللهث وراء الإثارة والربح السريع».

وتحذر خديجة في ختام شهادتها: «إذا لم تتدخل الوزارة الوصية لفرض سن محددة وحجب هذه التطبيقات فعليا، فإننا نضحي بالمستوى التعليمي ومستقبل جيل بأكمله».

الهواتف الذكية.. «حصان طروادة» داخل البيوت

يشعر عبد اللطيف، وهو تاجر بالمدينة العتيقة لفاس، بتباعد القيم بينه وبين ابنه: «نحاول تنشئة أبنائنا على قيمنا الأصيلة القائمة على توقير الكبير، والحشمة، والتضامن، والتمسك بالدين. لكن الهاتف الذكي دخل بيوتنا كحصان طروادة وبات يقوض هذه الأركان».

ويتجلى هذا الشرخ في قطيعة نفسية واضحة؛ إذ يوضح الأب: «يجلس ابني البالغ 14 عاما معنا في صالون البيت جسدا فقط، بينما يسبح عقله على بعد آلاف الكيلومترات، محاصرا بمضامين تمجد الاتكالية، والفردانية الصدامية، والتمرد على سلطة الوالدين».

ويصطدم أي مسعى للحوار بجدار مسدود: «بمجرد محاولة وضع ضوابط أو فتح نقاش، ينغلق على نفسه أو يرد بعدوانية غير معهودة. لقد نسفت شبكات التواصل جسور التلاقي بين الأجيال حتى بتنا نربي غرباء تحت سقف واحد، وصار تدخل السلطات لحماية الأسرة ضرورة ملحة».

التنمر الرقمي.. عدوان ينطلق من داخل الفصول

تصحح أمينة، وهي ممرضة بطنجة، المفاهيم السائدة حول مخاطر الإنترنت: «يعتقد كثيرون أن الخطر الأكبر يأتي من غرباء ومتربصين عبر الشبكة، لكن الواقع يثبت أن العنف الأشد تدميرا ينطلق من زملاء الدراسة أنفسهم».

وتستحضر أمينة التجربة القاسية التي عاشتها ابنتها البالغة 13 عاما: «انتشرت لقطة شاشة لمحادثة خاصة بعد اقتطاعها من سياقها ونشرها في صفحة تابعة للإعدادية على «إنستغرام». وخلال ساعات، سرت الشائعة في المؤسسة كالنار في الهشيم، وتلتها شتائم بالغة القسوة».

وسرعان ما تفاقمت الآثار النفسية: «امتنعت ابنتي عن الأكل ورفضت الذهاب إلى المدرسة، وكانت تنتابها نوبات هلع مع كل رنين للهاتف. هذه المنصات تتنصل من مسؤوليتها الأخلاقية، وما لم يُفرض تدقيق صارم في السن وعقوبات قانونية رادعة، سيبقى أطفالنا عرضة لخطر دائم».

عزلة خانقة وضمور في المهارات الاجتماعية

يقارن حسن، وهو مهندس بالرباط، بين مراهقته ومسار ابنه البالغ 16 عاما: «كنا نقضي فترات مراهقتنا في الفضاءات المفتوحة، ننظم دوريات كرة القدم في الحي، ونرتاد الخزانات العامة والمقاهي. أما اليوم، فيقضي ابني عطلات نهاية الأسبوع وأمسياته حبيس غرفته، ممددا على سريره بين تطبيقات «ديسكورد» وألعاب «فري فاير» ومقاطع «تيك توك»».

ويشير حسن إلى أن الخطورة تتجاوز الخمول البدني: «المقلق حقا هو تدهور قدراته الاجتماعية؛ إذ بات يعجز عن نسج تواصل إنساني مباشر، ويشعر برهاب شديد إذا اضطر لإجراء مكالمة هاتفية أو التحدث إلى شخص راشد، أو حتى التوجه لشراء الخبز بمفرده».

ويؤكد حسن: «يعيش ابني في واقع معزول وراء الشاشات. إننا أمام جيل يفقد أبجديات العيش المشترك، وتقنين استخدام هذه المنصات لم يعد ترفا، بل تدبير صحي مستعجل لإعادة أطفالنا إلى الحياة الواقعية».

«ميتا» ترضخ للضغوط الأمريكية وتحركات في بروكسل

وبالتزامن مع هذه المخاوف الأسرية، تتصاعد المعارك القضائية في الولايات المتحدة؛ حيث وافقت شركة «ميتا» على دفع تسوية مالية قد تصل إلى 17 مليار دولار، وفرض قيود على استخدام «إنستغرام» و«فيسبوك» للمراهقين في نحو خمسين ولاية ومنطقة أمريكية، في اتفاق عقده المدعون العامون يشبهه مراقبون بالتسوية التاريخية المفروضة على شركات التبغ سنة 1998.

وتلتزم المجموعة بموجب الاتفاق بتحديد زمن استخدام منصاتها بساعتين يوميا لمن هم دون 18 عاما، وحجب الوصول بين منتصف الليل والسادسة صباحا، على أن تظل صلاحية تعديل هذه الإعدادات محصورة في أولياء الأمور فقط. كما أعلنت ولاية تكساس عن تسوية منفصلة بقيمة تفوق مليار دولار وقيود مماثلة، ما يرفع الفاتورة الإجمالية إلى أزيد من 18 مليار دولار، مع تنصيص الاتفاق على سريانه حصريا داخل الولايات الموقعة دون إلزام للقضاء الدولي.

ورغم افتقار الاتفاق لأي أثر قانوني مباشر داخل الاتحاد الأوروبي، فإنه يمنح المفوضية الأوروبية زخما سياسيا قويا لانتزاع تنازلات مماثلة من العملاق الأمريكي، حسب ما أكدته برونيسين برتران، أستاذة القانون العام بجامعة رين لفرانس برس.

وطالبت بروكسل بفرض إجراءات مماثلة؛ إذ صرح المتحدث باسم المفوضية للشؤون الرقمية، توماس رينييه: «يتعين على الشركة تقديم هذه الالتزامات داخل الاتحاد الأوروبي لحماية أطفالنا»، مشددا على ضرورة أن تكون التدابير غير محددة بسقف زمني، بخلاف الاتفاق الأمريكي المحدد بعشر سنوات.

وتخضع «ميتا» منذ ماي 2024 لتحقيق تشنه المفوضية الأوروبية بموجب قانون الخدمات الرقمية (DSA)؛ حيث طالبت بروكسل مجموعة مارك زوكربيرغ بتعديل واجهات «فيسبوك» و«إنستغرام» لتقليص جاذبيتها المفرطة، مبدية عدم رضاها عن آليات الرقابة الأبوية الحالية وضوابط تحديد وقت الشاشات.

وأكد رينييه أن «الكرة باتت في ملعب ميتا»، محذرا من أن عدم الامتثال يعرض الشركة لغرامات مالية قد تصل إلى 6 في المائة من رقم معاملاتها العالمي السنوي، في حين كانت الشركة قد طعنت في الخلاصات الأوروبية الأولية مع إبداء استعدادها للتعاون.

دعوات أممية للحزم وتوجه أوروبي لفرض قيود سنية

رحب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بالاتفاق الأمريكي، داعيا إلى سن قواعد شاملة للقطاع بأكمله: «لا ينبغي للأطفال انتظار رفع دعاوى قضائية لتأمين تصفح آمن على الإنترنت».

وحث تورك الحكومات على «أخذ زمام المبادرة دون انتظار أحكام القضاء أو خطوات الشركات»، مشددا على ضرورة إدماج معايير الأمان منذ مرحلة التصميم عوض تحميل المسؤولية للأطفال وأولياء الأمور. وكان مكتبه قد أصدر أواخر ماي عشرة مبادئ توجيهية لحماية الأطفال، ترتكز على تأمين بيانات القاصرين تلقائيا وحظر الاستهداف الإعلاني الموجه إليهم.

وفي السياق ذاته، يستعد الاتحاد الأوروبي لخطوات حاسمة؛ فبينما أسقط المجلس الدستوري الفرنسي نصا تشريعيا يحظر الشبكات الاجتماعية على من تقل أعمارهم عن 15 عاما، تستعد باريس لطرح صيغة جديدة، فيما تدرس المفوضية الأوروبية فرض قيود عمرية موحدة، وهو موضوع مرشح للطرح خلال خطاب رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين مطلع شتنبر بستراسبورغ، بناء على تقرير خبراء تسلمته بروكسل في 13 يوليوز ويوصي بفرض ولوج تدريجي للمنصات.

وفي الوقت الذي تطالب فيه جمعيات حماية الطفولة بتحويل التزامات «ميتا» إلى معايير عالمية ملزمة، امتنعت منصات «تيك توك» و«يوتيوب» و«سناب شات» عن التعليق لفرانس برس حول التدابير المزمع اتخاذها لحماية القاصرين في الفضاء الرقمي.

تحرير من طرف هاجر خروبي
في 30/08/2026 على الساعة 07:00