واستعرض محمد صالح التامك المندوب العام، في كلمة له بالمناسبة، ملامح حصيلة ثمانية عشر عاما من العمل المتواصل، مؤكدا أن هذه المرحلة شكلت منعطفا حقيقيا في مسار تحديث القطاع السجني، من خلال القطع مع الصورة النمطية التي ظلت تلاحق المؤسسات السجنية لعقود، وتعويضها بنموذج جديد يقوم على التوازن بين متطلبات الأمن والانضباط، وبين رهانات الإصلاح وإعادة الإدماج.
وأبرز المسؤول ذاته، أن هذا التحول، لم يكن معزولا عن السياق الوطني العام، بل جاء منسجما مع دينامية إصلاح منظومة العدالة والسياسة الجنائية، ومسترشدا بالتوجيهات الملكية التي جعلت من كرامة السجين وصون حقوقه مدخلا أساسيا لبناء دولة الحق والقانون، مضيفا أنه ومن هذا المنطلق، لم تعد المؤسسة السجنية فضاء لتنفيذ العقوبات فقط، بل أضحت حلقة محورية ضمن منظومة أمنية وحقوقية متكاملة.
وأوضح التامك في كلمته، أن المندوبية راهنت فيما يتعلق بالبنيات التحتية، على تجديد شامل للحظيرة السجنية، عبر إطلاق برنامج طموح لبناء سجون من الجيل الجديد تستجيب للمعايير الدولية، بالتوازي مع إغلاق المؤسسات المتهالكة، وهو ما مكَّن حسب تعبيره، من تحسين ظروف الاعتقال، وتعزيز الطاقة الاستيعابية، فضلا عن توفير بيئة ملائمة للتأهيل وإعادة الإدماج، ومبينا أنه بالموازاة مع ذلك، تم تكريس مقاربة “أنسنة الاعتقال”، عبر تحسين جودة التغذية والنظافة، وتوسيع نطاق الخدمات الصحية، بما فيها الرعاية النفسية، رغم الإكراهات المرتبطة بندرة الموارد البشرية الطبية.
وأشار المندوب العام إلى أنه جرى أيضا تعزيز البعد الحقوقي داخل المؤسسات السجنية، عبر تعميم برامج التكوين في مجال حقوق الإنسان، وتمكين النزلاء من آليات التظلم، مع التشديد على التصدي الصارم لأي تجاوزات، مبرزا أن المندوبية عملت في الشق المتعلق بوظيفة التأهيل، على توسيع برامج التعليم والتكوين المهني، وتنويع الأنشطة الموازية، بما يسمح بتفريد البرامج التأهيلية وفق خصوصيات كل فئة من السجناء، في أفق تسهيل إعادة إدماجهم في المجتمع بعد الإفراج، معتبرا هذا التوجه يتزامن مع تعزيز المقاربة الأمنية الاستباقية داخل المؤسسات، عبر تحديث وسائل المراقبة وتكثيف عمليات التفتيش، بما يضمن سلامة السجناء والموظفين على حد سواء.
وعلى صعيد الحكامة، انتقلت المندوبية حسب التامك، إلى اعتماد أساليب تدبير حديثة قائمة على النجاعة والشفافية، من خلال تحديث تنظيمها الهيكلي، وتوسيع استعمال التكنولوجيات الحديثة في تتبع المعطيات ودعم اتخاذ القرار، إلى جانب تعزيز الشراكات مع مختلف الفاعلين وطنيا ودوليا، بما يسهم في بناء منظومة سجنية منفتحة ومواكبة للمعايير الدولية، موضحا أنه وفي سياق التحولات التي تعرفها السياسة الجنائية، انخراط المؤسسة في تنزيل مستجدات قانون المسطرة الجنائية، خاصة ما يتعلق بالتخفيض التلقائي للعقوبة والمراقبة الإلكترونية، بالإضافة إلى شروعها الفعلي في تنفيذ مقتضيات العقوبات البديلة منذ غشت 2025، عبر توفير الإطار التنظيمي والتقني والبشري اللازم، بتنسيق مع مختلف المتدخلين.
وأكد المسؤول نفسه، على أن هذا الانخراط، إلى جانب الدينامية التي يعرفها القطاع، جعل التجربة المغربية في تدبير الشأن السجني محط اهتمام متزايد على المستوى الدولي، وهو ما تجسد في احتضان المملكة لعدد من التظاهرات الدولية المتخصصة، واستقبال طلبات شراكة من عدة دول، خاصة الإفريقية، منوِّها بالدور المحوري للموارد البشرية، باعتبارها ركيزة أي إصلاح حقيقي، حيث تم تسجيل دخول النظام الأساسي الجديد لموظفي القطاع حيز التنفيذ، بما يحمله من تحفيزات مادية ومهنية تعترف بخصوصية مهامهم ذات البعدين الأمني والحقوقي، ومشددا على أن إحداث مؤسسة الأعمال الاجتماعية لموظفي إدارة السجون وإعادة الإدماج كان خطوة نوعية لتعزيز الأوضاع الاجتماعية للموظفين والمتقاعدين وأسرهم.
واعتبر التامك، أنه وبين حصيلة منجزات متراكمة وأوراش إصلاحية مفتوحة، فإن رهان المندوبية المستقبلي يتجاوز تدبير الحاضر، إلى بناء إدارة سجنية حديثة، تجعل من الأمن ركيزة، ومن الإصلاح غاية، ومن كرامة الإنسان مبدأ ثابتا، وهي معادلة تراهن، في نهاية المطاف، حسب تعبير التامك، على جعل المؤسسة السجنية فضاء حقيقيا للتقويم وإعادة الإدماج، بما يخدم المجتمع ويعزز الأمن والاستقرار.
