«موت سريري» يهدد الطب الشرعي بالمغرب.. 28 طبيبا لفك ألغاز آلاف الجرائم بأتعاب «هزيلة»

عدد أطباء التشريح بالمغرب لا يتعدى 28 طبيبا لفك ألغاز آلاف الجرائم

في 15/07/2026 على الساعة 13:00

تعيش منظومة العدالة الجنائية في المغرب على وقع أزمة بنيوية صامتة، فجر تفاصيلها تقرير برلماني حديث كشف بالمنطق الرقمي الصارم عن شلل شبه تام يهدد نزاهة الأبحاث القضائية وسرعة البت في الملفات المعروضة على المحاكم.

التقرير الذي أنجزته المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول وضعية الطب الشرعي، وعُرض أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب في يوليوز 2026، دق ناقوس الخطر بشأن تخصص علمي حساس يمثل صمام أمان لإظهار الحقيقة وحماية الحقوق والحريات، لكنه يعاني تهميشا تاريخيا حوّله إلى تخصص منسي.

نزيف بشري حاد و10 دوائر قضائية بلا طبيب

تكمن الصدمة الأولى للتقرير في قحط بشري غير مسبوق، إذ لا يتوفر المغرب، إلى غاية نهاية سنة 2024، إلا على 28 طبيبا متخصصا في الطب الشرعي في كامل ربوع المملكة، موزعين بين أساتذة بكليات الطب وأطباء بالمستشفيات الجهوية، فيما تخلو عشر دوائر قضائية كاملة من أي طبيب متخصص، مما يفرض الاستعانة بحلول ترقيعية في قضايا معقدة وحساسة.

هذا النقص الفادح ألقى بعبء ثقيل على كاهل 147 طبيبا غير متخصص يمارسون مهام الطب الشرعي بمكاتب حفظ الصحة الجماعية، ليبقى المعدل الوطني في حدود 4.7 أطباء لكل مليون نسمة، وهو رقم عاجز تماما عن مواجهة تزايد الطلب القضائي، في ظل تسجيل أزيد من 24 ألف تقرير وفاة في سنة واحدة.

خطر تغليط العدالة

في قراءته التشخيصية لهذه الأزمة، يرفع البروفسور هشام بنيعيش، رئيس مصلحة الطب الشرعي بالمستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء ورئيس الجمعية المغربية للطب الشرعي، اللبس الشائع حول التخصص، مؤكدا أن «عمل الطبيب الشرعي لا يقتصر فقط على تشريح الجثث، وإنما تشكل المهام السريرية المرتبطة بالأحياء 80% من العمل اليومي للطبيب الشرعي».

وتتوزع هذه الأعباء على أزيد من عشر مهام حيوية تبدأ بالفحص السريري للضحايا المصابين لتحديد وصف الإصابات وطبيعتها وأسبابها وتاريخ حدوثها، وصولا إلى إعطاء الإذن برفع الجثث ونقلها وتحرير تقارير مفصلة.

غير أن غياب التخصص يفتح الباب أمام ممارسات تثير القلق؛ إذ يحذر البروفسور بنيعيش من خطورة إسناد التشاريح الطبية لأطباء دون تكوين أكاديمي في هذا المجال الدقيق، منبها إلى أن «من بين المشاكل التي قد يواجهونها في هذه الحالة يمكن أن يكون خطأ في الاستنتاجات، في المعاينات، وفي تفسير المعطيات، وهي أخطاء يصعب تداركها. بالتالي يمكن تغليط العدالة».

مستودعات للأموات خارج الخدمة

لم تقتصر الاختلالات على هجرة الكفاءات، بل امتدت لتشمل البنيات التحتية التي تعيش وضعا مقلقا، حيث رصد البرلمانيون ضعفا حادا في التجهيزات الأساسية وتقادما لأجهزة تبريد الجثث، بالإضافة إلى غياب كلي للمختبرات والمعدات العلمية القادرة على كشف ملابسات الوفيات المشبوهة، وادعاءات التعذيب، والاعتداءات الجسدية.

وسجل التقرير تفاوتات مجالية صارخة في توزيع 108 مستودعات للأموات على الصعيد الوطني، مما يكرس الفوارق بخصوص الولوج إلى خدمات طبية شرعية ترقى إلى مستوى تطلعات المحاكمة العادلة، ويجعل دقة الخبرة الطبية رهينة بمدى توفر الإمكانات اللوجستيكية في كل إقليم.

أتعاب هزيلة تكرس عزوف الأطباء

في رصده لأسباب النفور الجماعي للأطباء الداخليين عن هذا التخصص، وجه التقرير سهام نقده للتعويضات المالية الصادمة، التي وصفها بـ«المُهينة» ولا تتناسب مطلقا وجسامة المسؤولية القانونية والعلمية الملقاة على عاتق الطبيب؛ إذ لا تتجاوز التعويضات 30 درهما للفحص السريري، وتتأرجح بين 100 و150 درهما للتشريح الطبي.

وفي هذا السياق، يضع البروفسور بنيعيش الإصبع على مكمن الداء مؤكدا أن ثقل المهام الملقاة على عاتق الطبيب الشرعي «لا يوازيها أي تحفيز مادي بسبب هزالة التعويضات التي يتلقاها الممارس نظير التشريح والفحوص السريرية»، معتبرا أن ضعف التحفيزات المادية وانعدام الآفاق المهنية، إلى جانب «عدم خصوصية واستقلالية مجال الطب الشرعي»، يمثلان الدافع الأساسي لعزوف الأطباء وهجرة المتخصصين إلى الخارج.

وفي تفاعلها مع هذا الواقع الصعب، كشفت وزارة العدل عن انخراطها في إعداد مشروع مدونة جديدة للمصاريف القضائية، يهدف بالأساس إلى الرفع من قيمة هذه التعويضات وتحسين الوضعية المادية والمهنية للممارسين، كخطوة استعجالية لإنقاذ التخصص من الاندثار وتشجيع الأطباء على الولوج إليه.

أمام هذه المعطيات المقلقة، خلصت المهمة البرلمانية إلى ضرورة التعجيل بمراجعة مقتضيات القانون رقم 77.17 المتعلق بتنظيم ممارسة الطب الشرعي، وهو الإطار الذي يعلق عليه مهنيو القطاع آمالا لتثبيت نظام قانوني يحفظ حقوق الطبيب الشرعي وواجباته وفق المعايير الدولية، مع توسيع مسالك التكوين بكليات الطب الوطنية، وتحديث البنيات الاستشفائية وتوفير آليات اشتغال تضمن استقلالية الطبيب الشرعي وتحفظ حرمة المتوفين.

تحرير من طرف هيئة التحرير
في 15/07/2026 على الساعة 13:00