وتكشف هذه النتائج عن دلالة سياسية تتجاوز عدم اعتماد المشروعين. فقد تمكنت روسيا من منع صدور القرار الأمريكي، لكنها عجزت عن تأمين الأغلبية اللازمة لاعتماد مشروعها. وفي المقابل، أظهر تأييد أحد عشر عضوا للمشروع الأمريكي اتساع القبول بمقاربة تجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا للتسوية، مقابل محدودية التأييد لاستمرار الصيغة السابقة. وانتهت المواجهة دون تمديد ولاية المينورسو، التي انقضت في 31 أكتوبر، لتعلن الأمم المتحدة بدء تصفية البعثة اعتبارا من فاتح نونبر، منهية بذلك آلية أممية استمرت خمسة وثلاثين عاما.
وقد تعامل المغرب مع هذه التطورات باعتبارها فرصة للانتقال من تدبير النزاع إلى العمل على إنهائه بصورة نهائية. وجاء بلاغ الديوان الملكي ليحدد معالم هذا التوجه، من خلال اعتبار انتهاء ولاية المينورسو خطوة نحو الطي النهائي للملف داخل الأمم المتحدة، والدعوة إلى إنهاء وجود البعثة وسحب القضية من جدول أعمال مجلس الأمن، ووضع حد للاجتماعات الدورية والتقارير والإحاطات المرتبطة بالمسار السابق. كما أكد مواصلة التحرك داخل الهيئات الأممية الأخرى، إلى جانب العمل الدبلوماسي الثنائي والإقليمي.
ويستند هذا الموقف إلى تقييم حصيلة العقود الماضية، التي استمر خلالها تجديد ولاية البعثة دون التوصل إلى تسوية نهائية، بينما ظلت معاناة سكان المخيمات قائمة. ومن هنا تتجه المقاربة المغربية إلى معالجة أسباب استمرار النزاع، وتجاوز الآليات التي ساهمت في إطالة أمده. وفي الوقت نفسه، أكد البلاغ التمسك بوقف إطلاق النار، وصون سلامة الأراضي والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين، بما يجمع بين الالتزام بالاستقرار والاستعداد لحماية التراب الوطني.
ويأتي هذا التحول في سياق دولي أصبح أكثر ملاءمة للموقف المغربي. فقد اعترفت الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء، وأعلنت فرنسا أن حاضر الأقاليم الجنوبية ومستقبلها يندرجان ضمن السيادة المغربية، بينما أيدت بريطانيا مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق للتوصل إلى تسوية. كما تدعم إسبانيا المبادرة المغربية أساسا للحل. وعلى المستوى الأممي، عزز القرار 2797 مكانة المبادرة المغربية في مسار المفاوضات، وهو مكسب يظل قائما، لأن الفيتو الروسي استهدف مشروع القرار الجديد دون أن يلغي القرار السابق.
وتتعزز هذه المكتسبات الدبلوماسية بحضور مؤسساتي وتنموي متواصل في الأقاليم الجنوبية. فالمؤسسات المغربية تمارس اختصاصاتها، ويشارك السكان في الاستحقاقات الانتخابية، وتتقدم مشاريع البنية التحتية والاستثمار. ووفق المعطيات الرسمية، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية لشتنبر 2026 نحو 77 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء و61 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب. كما بلغت نسبة إنجاز ميناء الداخلة الأطلسي 74 في المائة خلال أكتوبر، ودخل المحور الطرقي تزنيت–الداخلة حيز الاستعمال على امتداد 1055 كيلومترا، بما يعزز الربط بين شمال المملكة وجنوبها ويدعم المبادلات التجارية مع إفريقيا.
وتشمل هذه الدينامية البرنامج الصناعي والمينائي لفوسبوكراع بالعيون، باستثمارات تبلغ 23 مليار درهم في أفق 2030، والمحطة الريحية ببوجدور بقدرة 300 ميغاواط، ومحطة تحلية مياه البحر بالعيون التي أضافت طاقة إنتاجية تبلغ 26 ألف متر مكعب يوميا. وتساهم هذه المشاريع في تطوير النشاط الصناعي وتوفير الطاقة والماء وتحسين ظروف عيش السكان، كما تعزز اندماج الأقاليم الجنوبية في الاقتصاد الوطني.
ويتجاوز البعد الاستراتيجي لهذه الاستثمارات حدود التنمية المحلية، ليشمل المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل الإفريقي من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر البنيات التحتية الطرقية والمينائية المغربية، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي. وتفتح هذه المبادرة آفاقا للتكامل الاقتصادي والتجاري مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، وتعزز موقع الأقاليم الجنوبية بوصفها صلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي، وممرا للتبادل بين إفريقيا والأسواق الدولية.
وفي مقابل هذا التراكم الدبلوماسي والمؤسساتي والتنموي، تواجه البوليساريو تحديات متزايدة تمس موقعها السياسي وادعاءها التمثيل الحصري للصحراويين. فقد تضمنت الصياغات الأمريكية دعوة إلى التشاور مع مكونات وشخصيات صحراوية من داخل الأقاليم والمخيمات والمهجر، بما يشمل أصواتا من خارج الأطراف المتفاوضة. وتكتسب هذه الدعوة أهمية سياسية لورودها ضمن مشروع حظي بتأييد أحد عشر عضوا في مجلس الأمن، بما يعزز المطالبة بإشراك المنتخبين والفاعلين المدنيين ومختلف المكونات الصحراوية في البحث عن التسوية.
ولهذا التوجه سند قانوني مهم. فقد أوضحت محكمة العدل الأوروبية في حكمها الصادر في أكتوبر 2024 أن البوليساريو لم يعترف بها رسميا ممثلا حصريا، مع إقرار موقعها محاورا في المسار الأممي وأهليتها للتقاضي في القضية المعروضة. ويتيح هذا التمييز توسيع النقاش بشأن التمثيل، بما يعكس تعدد المواقف داخل المجتمع الصحراوي، ويحول دون اختزالها في تنظيم واحد.
ويجد هذا التعدد تعبيرا سياسيا في حركة «صحراويون من أجل السلام»، التي تأسست سنة 2020 بمشاركة قيادات ودبلوماسيين سابقين في البوليساريو، إلى جانب فعاليات حقوقية وأكاديمية، واتخذت من مدريد مركزا لتحركاتها، مع امتدادات داخل الأقاليم الجنوبية وموريتانيا وأوساط الجالية الصحراوية في أوروبا. وتطالب الحركة بالمشاركة في المفاوضات، وتدافع عن تسوية سياسية تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وقد استقبل السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز وفدا من قيادتها في يونيو 2026، كما شاركت الحركة في أشغال اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة خلال أكتوبر من السنة نفسها. ويمنح هذا الحضور الدبلوماسي بعدا عمليا للمطالبة بتوسيع دائرة المحاورين الصحراويين، خصوصا أن الحركة تضم شخصيات كانت تنتمي إلى البوليساريو وأصبحت تدافع عن خيار سياسي مختلف.
ويضاف إلى تحدي التمثيل تطور سياسي بالغ الأهمية يتمثل في طرح مبادرات تشريعية لتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية أمام غرفتي الكونغرس الأمريكي، مجلس الشيوخ ومجلس النواب، من خلال المشروعين S. 4063 وH.R. 9982. وتكتسب هذه المبادرات أهمية خاصة لكونها مطروحة أمام غرفتي الكونغرس، وبمشاركة أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مما يعكس اتساع الاهتمام بهذا الملف داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، ويمنحه ثقلا يتجاوز الانقسامات الحزبية. كما أن إدراج تصنيف البوليساريو ضمن المبادرات التشريعية الأمريكية يمثل تطورا بالغ الخطورة بالنسبة إلى الجبهة، ويفتح مسارا قد تكون له تداعيات عميقة على موقعها وعلاقاتها الدولية.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة لأي تصنيف إرهابي رسمي على الجبهة وحدها. فالتشريعات الأمريكية المتعلقة بمكافحة الإرهاب تتضمن قيودا مالية وقانونية تشمل تجميد الأصول الخاضعة للاختصاص الأمريكي، وحظر التعاملات، وملاحقة شبكات التمويل والدعم المادي واللوجستي وفق الشروط القانونية المعمول بها. ويمكن أن تمتد هذه الإجراءات إلى الأفراد والشركات والوسطاء الذين يسهمون في تمويل التنظيم أو تسهيل أنشطته، بما يضيق مجال تحركه ويعرض شبكات دعمه للمساءلة.
وتبرز الجزائر في هذا السياق باعتبارها الحاضنة السياسية والعسكرية للبوليساريو منذ نحو خمسين عاما. فقد وفرت للجبهة الأرض والدعم السياسي والعسكري والموارد اللازمة لاستمرار نشاطها، وجعلت من مخيمات تندوف مركزا لقيادتها وتحركاتها. ومن شأن أي تصنيف إرهابي رسمي أن يضع قنوات التمويل والإمداد والجهات المرتبطة بالجبهة تحت تدقيق مالي وأمني أشد، ويفتح المجال أمام عقوبات وملاحقات وفق القواعد القانونية الأمريكية. وتكمن أهمية هذا الاحتمال في انتقال جزء من التعامل الدولي مع الجبهة من إطار النزاع السياسي إلى منظومة مكافحة الإرهاب، بما يترتب على ذلك من انعكاسات على علاقاتها الخارجية والجهات الداعمة لها.
وتواجه الجزائر، إلى جانب هذه التطورات، مسؤوليات سياسية وقانونية وإنسانية تتعلق بمخيمات تندوف. فقد جعلت دعم البوليساريو والانفصال محورا لسياستها الخارجية طوال عقود، بينما تتجه المواقف الدولية نحو تسوية تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ويضع هذا التحول الجزائر أمام مسؤولية الانخراط الجدي في التسوية السياسية، وتحمل التزاماتها تجاه السكان الموجودين على أراضيها.
وتكتسي مسألة الوضع القانوني لسكان المخيمات أهمية خاصة. فاللاجئ، وفق اتفاقية جنيف لسنة 1951، هو الشخص الذي يوجد خارج بلده بسبب خوف مبرر من الاضطهاد، ولا يستطيع العودة إليه أو لا يرغب في ذلك بسبب هذا الخوف.
وفي هذا السياق، تثير عودة عدد من القيادات البارزة والشخصيات المؤسسة للبوليساريو إلى المغرب، واندماجهم في مؤسسات الدولة وتقلد بعضهم مناصب عليا، تساؤلات بشأن الادعاءات العامة التي تصور العودة إلى المغرب باعتبارها مصدرا حتميا للخطر. كما وثقت تقارير حقوقية ممارسات تتعلق بتقييد حرية التنقل واستعمال وثائق السفر في مخيمات تندوف، بما يطرح مسؤولية الجهات القائمة على إدارتها عن أي ضغوط أو تهديدات تعرقل العودة الطوعية.
وتتحمل الجزائر، بصفتها الدولة المضيفة، مسؤولية ضمان حرية الاختيار والتنقل، وحماية الطابع المدني للمخيمات، وفصل المقاتلين والأنشطة العسكرية عن السكان، وضمان شفافية المساعدات الإنسانية.
وتزداد أهمية هذه الالتزامات في ضوء التحقيق الأوروبي السابق بشأن تحويل المساعدات وتضخيم أعداد المستفيدين. فحماية السكان تقتضي تمكينهم من حقوقهم وخياراتهم الفردية، وإنهاء أي احتجاز تعسفي أو إكراه يمارس تحت غطاء اللجوء، دون انتظار التسوية النهائية للنزاع.
ويرتبط بهذه المسؤوليات ملف إحصاء سكان مخيمات تندوف، الذي ظل مطلبا متكررا في قرارات مجلس الأمن منذ سنوات، دون إنجاز تسجيل فردي شامل يتيح التحقق من أعداد السكان وهوياتهم وأوضاعهم القانونية.
وتتحمل الجزائر مسؤولية تمكين المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من القيام بهذه المهمة، باعتبار أن المخيمات تقع فوق أراضيها وتخضع لولايتها القانونية.
وتتجاوز أهمية التسجيل مجرد تحديد الأعداد، إذ يتيح التعرف على هوية كل شخص وجنسيته ووضعه واحتياجاته، ويوفر أساسا لحماية حقوقه وتيسير الحلول المستقبلية. كما يساعد على التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها، والحد من إمكان استغلال الغموض المحيط بأعداد السكان وأوضاعهم.
وبعد نحو خمسين عاما من استمرار المخيمات، أصبح التسجيل الفردي الشامل ضرورة قانونية وإنسانية. فهو يتيح لكل شخص ممارسة حقوقه وتحديد مستقبله، سواء بالعودة الطوعية إلى المغرب أو الاندماج في بلد الاستقبال أو إعادة التوطين. كما أن استمرار غياب هذا التسجيل يطرح تساؤلات جدية بشأن أسباب تعطيله، خصوصا أن تحديد هوية السكان وأعدادهم من شأنه تعزيز الشفافية في تدبير المساعدات، وتوضيح الأوضاع القانونية، وإتاحة خيارات فردية بعيدا عن التحكم السياسي.
وتفتح هذه التحولات أمام المغرب مرحلة جديدة من العمل الدبلوماسي والقانوني داخل المؤسسات الدولية. فانتهاء ولاية المينورسو يمثل خطوة مهمة، بينما يحتاج سحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن إلى مسار مؤسساتي مستقل. أما داخل الجمعية العامة واللجنة الرابعة، فإن غياب حق النقض يمنح حشد التأييد العددي أهمية أكبر، مع ضرورة التمييز بين إنهاء التناول الدوري للقضية ورفع الإقليم من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، باعتبار أن لكل خطوة إجراءاتها ومتطلباتها القانونية.
وعلى المستوى الإفريقي، تبرز معركة دبلوماسية وقانونية أخرى تتمثل في العمل على إنهاء عضوية الكيان الذي تمثله البوليساريو داخل الاتحاد الإفريقي. فاستمرار هذه العضوية يطرح إشكالا سياسيا ومؤسساتيا في ظل التحولات التي يعرفها الملف، ويستدعي تحركا مغربيا لحشد التأييد الإفريقي ومراجعة هذا الوضع وفق الآليات القانونية للاتحاد. ويشكل ذلك جزءا من مسار أوسع يرمي إلى إنهاء النزاع داخل المؤسسات القارية، بما ينسجم مع هدف المغرب المتمثل في الطي النهائي للملف.
وتتمثل المهمة الأساسية للدبلوماسية المغربية في تحويل الدعم السياسي المتراكم لمبادرة الحكم الذاتي إلى تأييد لنصوص محددة وخطوات مؤسساتية عملية. فكل دولة تؤيد المبادرة المغربية يمكن أن تصبح شريكا في الدفع نحو تسوية نهائية، وفي مراجعة الآليات التي استمر معها النزاع طوال العقود الماضية.
وتشير مجمل هذه التطورات إلى أن قضية الصحراء المغربية تدخل مرحلة مختلفة، تتراجع فيها جدوى المقاربة القائمة على تمديد الآليات الأممية دون أفق حاسم، مقابل تنامي التوجه نحو تسوية سياسية نهائية تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وقد تفتح المرحلة المقبلة المجال أمام مفاوضات جدية بمشاركة الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الجزائر، بما يتيح لسكان المخيمات العودة والمشاركة في بناء مستقبل الأقاليم الجنوبية. كما قد تستمر محاولات التعطيل السياسي والدبلوماسي، أو تظهر مخاطر تصعيد ميداني تستدعي مواصلة الجمع بين الحزم في الدفاع عن الوحدة الترابية والالتزام بوقف إطلاق النار.
لقد راكم المغرب خلال العقود الماضية مكتسبات دبلوماسية ومؤسساتية وتنموية مهمة، وأصبحت المرحلة الحالية تقتضي استثمارها في الحسم النهائي لهذا الملف. فالمسار الذي اختاره يتجاوز منطق إدارة النزاع وانتظار القرارات الدورية، ويتجه نحو تثبيت السيادة المغربية، وتوسيع الاعتراف الدولي بها، وإنهاء معاناة سكان المخيمات، وطي هذا النزاع الإقليمي بصورة نهائية.
وهذا هو جوهر التحول الذي نعيشه اليوم: الانتقال من البحث عن كيفية تدبير النزاع إلى العمل على إنهائه، ومن المحافظة على مسار سياسي مفتوح إلى بناء تسوية نهائية تكرس حقيقة أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها.
