وأسفرت عملية التصويت، التي شارك فيها 369 نائبا ونائبة، عن فوز التويزي بعد حصوله على 220 صوتا، متقدماً على منافسه إدريس الأزمي الإدريسي، مرشح حزب العدالة والتنمية، الذي نال 59 صوتا.
وبحسب النتائج المعلنة في الجلسة، فقد بلغ عدد الأصوات الصحيحة 279 صوتا، فيما سُجلت 90 ورقة ملغاة.
هندسة التوافقات في معترك التشريع
حين ارتقى أحمد التويزي منصة رئاسة مجلس النواب، لم يكن المشهد مجرد تبادل للمواقع خلفا لراشيد الطالبي العلمي؛ بل كان تتويجا لمسار رجل خَبِر تفاصيل المؤسسة التشريعية من قواعدها الترابية حتى قمتها الدستورية، مجسدا خيار الأغلبية الحكومية الجديدة التي يقودها حزب الأصالة والمعاصرة.
بين اليسار التأسيسي وحسابات «الجرار»
لم يكن دخول التويزي إلى الحقل السياسي وليد الصدفة الانتخابية؛ فجذوره تعود إلى سبعينيات القرن الماضي (1974)، حين خطى خطواته الأولى داخل المد اليساري بالحركة الاتحادية، في زمن كانت فيه مهنة التعليم والعمل النقابي فضاءً لصناعة النخب وصقل الوعي السياسي.
ذلك المعلم القادم من قطاع التربية الوطنية، المتزوج والأب لطفلين، احتفظ من تلك المرحلة بحس الميدان واللغة المباشرة الخالية من التكلف الأكاديمي.
إقرأ أيضا : مجلس النواب يتجه لانتخاب رئيس جديد.. مساطر انتخابية وتوازنات سياسية معقدة
شكلت محطة 2007–2008 نقطة تحول مفصلية في مساره بانخراطه في مشروع «حركة لكل الديمقراطيين»، ليكون من أوائل بناة حزب «الأصالة والمعاصرة» في إقليم الحوز وجهة مراكش.
وظل الرجل رقما ثابتا في معادلات الحزب، موطدا موقعه كأحد أبرز الوجوه الموثوقة لدى منسقة القيادة الجماعية للحزب فاطمة الزهراء المنصوري، وضابطا لإيقاع الفريق النيابي عبر مختلف المنعطفات.
سطوة التراب واختبار الزلزال
تستند قوة التويزي السياسية إلى شرعية صندوق الاقتراع في معقله بمدينة آيت أورير، التي قاد مجلسها الجماعي لولايات متتالية نال في آخرها ثقة مريحة رسخت زعامته المحلية.
ولم يتوقف طموحه التدبيري عند حدود البلدية؛ بل امتد ليترأس مجلس جهة مراكش-تانسيفت-الحوز بصيغتها السابقة، ثم نائبا لرئيس مجلس جهة مراكش-آسفي، راكما بذلك معرفة دقيقة بمعضلات التنمية القروية وفك العزلة عن المداشر الجبلية.
تلك الصلة العضوية بالجغرافيا والناس وضعت التويزي في مواجهة أصعب اختبار إنساني وسياسي خلال زلزال الحوز في سبتمبر 2023؛ إذ لم يكتفِ بدور المراقب، بل تحول إلى فاعل ميداني وصوت برلماني يلاحق تفاصيل إعادة الإعمار وجبر ضرر الساكنة التي يمثلها، مما عزز حضوره كسياسي لا ينفصل عن نبض دائرته حتى في أحلك اللحظات.
عارف بخبايا الغرفتين
برصيد يبلغ خمس ولايات تشريعية، يدخل التويزي مكتب الرئاسة بوصفه واحدا من قلة خبرت تفاصيل البرلمان بغرفتيه. في مجلس المستشارين، تمرس على آليات التسيير الإداري والمالي الدقيقة كأمين للمال وعضو بمكتب المجلس.
وفي مجلس النواب، قاد دفة فريق «الجرار» (2021–2026) في مرحلة اتسمت بتجاذبات حادة، فكان رأس حربة الأغلبية في الدفاع عن السياسات الحكومية، مع حفاظه الدائم على خيوط الوصل مع فرق المعارضة لتطويق الأزمات وتسهيل التوافقات.
كما تركت مشاركته في لجنة التعليم والثقافة والاتصال بصمة واضحة على اهتماماته التشريعية، مترافعا عن قضايا التعليم وتحديث الإدارة وتبسيط مساطر التعمير في العالم القروي.
بروفايل سياسي بروح الميدان
يتميز التويزي بأسلوب خطابي واضح وصريح يقطع مع البلاغة الإنشائية، مستمدا مصطلحاته من واقع المعيش اليومي، مما يمنحه قدرة استثنائية على بناء الجسور ونزع فتيل التوتر تحت قبة البرلمان. يصفه عارفوه بـ«مهندس التوافقات» الذي يتقن فن الحوار دون التفريط في الانضباط الحزبي.
بجلوسه على كرسي رئاسة الغرفة الأولى، يفتتح أحمد التويزي فصلا جديدا عنوانه إعادة الاعتبار للخبرة النيابية الميدانية، حاملا معه هواجس قمم جبال الأطلس إلى قلب مركز القرار التشريعي بالرباط.
