في أكادير، يُعتبر محمد رضا الطاوجني نجماً حقيقياً. ناشط جمعوي، يوتيوبر وفاعل بقوة على شبكات التواصل الاجتماعي، لم يتوقف منذ سنوات عن فضح الاختلالات الكثيرة التي تعيق تنمية عاصمة سوس. ومن خلاله، تفجّرت قضية مستشفى الحسن الثاني. فبعد أن قوبلت دعواته لتدخل الوزارة ببرود ولا مبالاة، أشرف على تنظيم وتأطير وقفتين احتجاجيتين. الأولى، قبل ثلاثة أسابيع، لم تلقَ صدى واسعاً. لكن الثانية لاقت تفاعلا كبيرا.
مئات من سكان المدينة تجمعوا أمام المستشفى الجهوي للتنديد بمؤسسة تحوّلت إلى «مشرحة». الشرارة التي أجّجت الغضب كانت وفاة ثماني نساء أثناء الولادة، في ظرف أسبوع واحد خلال شهر غشت، داخل مصلحة التوليد نفسها، التي تختزل أعطاب المنظومة الصحية العمومية. كل ذلك بينما كان رئيس الحكومة، وهو في الوقت نفسه عمدة أكادير، يهنئ نفسه على «المنجزات الاستثنائية» لحكومته خلال حوار تلفزيوني على القناتين الأولى والثانية.
ولقي الاحتجاج صدى وطنياً، وامتدّت أصداؤه إلى درجة دفعت وزير الصحة إلى الحضور شخصياً، حيث أعفى مسؤولين جهويين، وأفرج عن تجهيزات وتمويلات، وتعهد بالتحرك العاجل لمعالجة الوضع.
لكن، ذلك لا يكفي بالنسبة لمحمد رضا الطاوجني. ففي حوار مع موقع Le360، عاد ليفضح الاختلالات الخطيرة التي أودت بحياة العديد من المرضى، خاصة بسبب الإهمال وغياب التجهيزات الأساسية، قائلا: «منذ سبع سنوات وأنا أدق ناقوس الخطر حول الوضع الكارثي لهذا المستشفى، لكن لا شيء تغير. اليوم، ثماني نساء فقدن حياتهن. مراهقة عمرها 14 سنة توفيت، وضحايا آخرون أضيفوا إلى هذه القائمة السوداء. هذا أمر لا يُطاق».
وبحسبه، فإن أطباء يؤكدون أن «مواد التخدير المستعملة تفقد فعاليتها بسبب ظروف تخزين غير المطابقة للمعايير المعمول بها. عندما لا تؤدي التخدير وظيفتها، يضاعف الأطباء الجرعة، فتنتهي المريضة في الإنعاش… قبل أن تموت. هذه هي حقيقة مستشفانا الجهوي»، يقول الطاوجني بأسى.
انتصار لحراك المواطنين
إلى جانب هذه المشاكل الطبية، «هناك خصاص مزمن في التجهيزات الأساسية، قسم طوارئ بلا (بيطادين)، بلا أقنعة أوكسجين مطابقة، حيث يُجبر المرضى على شراء الضمادات والأدوية، وأحياناً حتى التحاليل… كيف يمكن القبول بمثل هذا الوضع داخل مستشفى عمومي؟»، يتساءل الناشط.
أمام الضغط الشعبي والجدل الذي أثارته وفيات متكررة، اضطرت وزارة الصحة إلى التحرك. زيارة ميدانية قام بها الوزير لمستشفى الحسن الثاني انتهت بسلسلة قرارات عاجلة: توقيف وتعويض عدد من المسؤولين، تخصيص ميزانية بـ200 مليون درهم لتعزيز المعدات، وتزويد المؤسسة بأجهزة جديدة منها سكانير ومعدات مخبرية، إضافة إلى إعادة تأهيل مصالح حيوية مثل الطوارئ والإنعاش. وعلّق طوجني قائلا: «هذا خطوة مهمة، وانتصار لحراك المواطنين، لكن لا يجب أن نعتقد أن الوضع سيتحسن بين عشية وضحاها. فالمنظومة الصحية الجهوية برمّتها مفلسة ».
أكبر من الفضيحة الصحية
يتجاوز الطاوجني في نقده حدود الملف الصحي ليهاجم مباشرة عزيز أخنوش، عمدة أكادير ورئيس الحكومة، متهماً إياه بتحويل المدينة إلى «بطاقة بريدية سياسية» بلا إدارة محلية حقيقية.
وأردف الطاوجني مستنكرا: «المشاريع الحضرية الكبرى أُسندت لشركات مقربة من حزب التجمع الوطني للأحرار، الأشغال عشوائية، واستفادة السكان منعدمة»، منتقدا ما وصفه بـ«تعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية فأكادير اليوم لها وجهان: الواجهة البحرية المجملة، والشوارع الرئيسية التي جرى تهيئتها استعداداً للمواعيد الرياضية المقبلة… لكن ما إن تغادر المركز حتى تجد أحياء بلا إنارة، بلا طرق، بلا مساحات خضراء».
أكادير.. مدينة بسرعتين
وأكد الطاوجني أن مشاكل عاصمة سوس لا تهم فقط مجال الصحة، مشددا: «بل هناك عجز شامل في البنية التحتية والخدمات العمومية، تخيلوا مدينة بحجم أكادير تضم مركزاً وحيداً للوقاية المدنية، بينما جرى بناء أحياء يقطنها 80 إلى 100 ألف نسمة من دون التفكير في إنشاء ثكنة للوقاية المدنية. هذا أمر غير مقبول».
ويضيف طوجني: «المؤسسات الثقافية مثل المعهد الموسيقي أو دار الفنون انتهت أشغالها لكنها مغلقة. أشغال المسرح الكبير تسير ببطء شديد. ننتظر اقتراب الانتخابات لافتتاحها. هذه استغلالية للثقافة. حتى دور الشباب، التجهيزات الاجتماعية، الملاعب القريبة… كلها مغلقة أو غير موجودة. في بنسركاو، جماعة تضم 100 ألف نسمة، لا يوجد حتى حديقة عمومية واحدة، ولا شبكة للصرف الصحي».
واعتبر المتحدث أن « هذا الإهمال يغذي شعوراً عميقاً بالخذلان بين السكان. المواطن في أكادير لم يعد يجد نفسه في ممثليه المنتخبين. الأحزاب السياسية هجرت الساحة المحلية، والجمعيات تفتقر للدعم، والمدينة تُفرغ من روحها».
ويرفض محمد رضا الطاوجني أن يُصنَّف كمعارض سياسي، مؤكدا: «لست مناضلاً حزبياً، ولا صحفياً، أنا مجرد مواطن مغربي يحلم بمغرب أفضل. سلاحي هو فيديوهاتي ومداخلاتي لفضح الاختلالات». معركة الطاوجني تجد صداها المتزايد في مدينة ما زالت تنتظر أن تتحقق وعود النفس الجديد.
