لكن في مقابل هذا النقد المبهم الذي وجهه ياسمينة خضرا وغير المؤسس على أرضية واقعية تقدم أمثلة أو تستحضر على الأقل سياقا معينا لتأسيس شرعية خطابه التحريضي، تساءل عدد من المثقفين العرب: أين كان ياسمينة خضرا لحظة اعتقال ابن موطنه بوعلام صنصال؟ في وقت لم يكتب فيه الرجل أي بيان تجاه الجزائر، ولا حرر مقالا يدين فيه فداحة نظام عبد المجيد تبون في فرض سياسة «التضييق» على الأدباء والمثقفين والفنانين.
ففي الوقت الذي كان فيه بوعلام صنصال يقبع في سراديب السجون الجزائرية، التقى ياسمينة خضرا مع عبد المجيد تبون في مكتبه وبارك له فوز بجائزة برلمان لكتاب البحر لأبيض المتوسّط في مدينة فالنسيا الإسبانية، حيث خرج فرحا على السوشل ميديا يتباهى بهذا اللقاء المبهج.
لكن صاحب «حلم بدوي» سيستغل الفرصة ليدبج خطابا كاذبا مفاده أنه طلب من عبد المجيد تبون أن يطلق سراح بوعلام صنصال الذي قضى حوالي سنة كاملة في سجون النظام الجزائري، بعدما عاش هناك أبشع مظاهر التخويف السياسي والترهيب النفسي، حيث أثر ذلك على صحته الجسدية، حتى بدا نحيفا لحظة إطلاق سراحه.

ليست المرة الأولى التي يخرج فيها ياسمينة خضرا لينتقد المجتمع الفرنسي، حيث يستغل اسم فلسطين لتوجيه النقد إلى المؤسسات الإعلامية الفرنسية ودور النشر وعالم الأدب، بسبب ما يعتبره من رقابة متشددة حول ما يكتب داخل فرنسا، وما تمارسه المؤسسات من تضييق على حرية المبدع.
لكن الغريب في سيرة صاحب «ليلة الريس الأخيرة» أن حاسة النقد يرتفع منسوبها حين يتعلق الأمر بالمغرب أو فرنسا، لكنها تتعطل داخل مختبر الواقع الجزائري الذي يحبل بالكثير من العاهات والمشاكل الاقتصادية وارتفاع البطالة وجنون السلطة الحاكمة والشباب الذين ينتحر على حدود السواحل الاسبانية، هربا من بطش السلطة والقهر النفسي والتدور الاقتصادي.
فهذه الأمور لا يراها ياسمينة خضرا في الجزائر التي لا يعود إليها، إلا ليتسلم الجوائز أو اللقاء بعبد المجيد تبون، حيث بدا واضحا للمجتمع الثقافي الجزائري أن الرجل نزع عنه جلباب الأديب وقدم نفسه بشكل هوسي لنظام العسكر، بعدما أصبح يروج لأفكاره ويصنع أفكاره ويسوغ للكثير من مآزقه وأهواله وتصدّعاته على مستوى استمرار نظام الحكم.
حرص ياسمينة خضرا في حواره هذا، أن يقدم لنا تدريبا إنشائيا مدرسيا حول تاريخ فرنسا وعلاقة مؤسساتها بحرية التعبير، حيث اعتبر أنها تقلصت وأصبحت المؤسسات تتميز بنظرة أحادية في النظر إلى القضايا والإشكالات التي تطال الثقافة الفرنسية المعاصرة.
لكن المثير للدهشة والاستغراب أن هذا الرأي لم يخلق أي جدل داخل الأوساط الثقافية العربية التي أدركت منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين، أن الرجل أصبح في خدمة عسكر الجزائر، وأن مواقفه السياسية ليست سوى امتداد لما يدور في فلك النظام الجزائري وأنه غير قادر على التعبير عن «مواقفه» بحرية تامة من خلال توجيه سهام النقد إلى الجزائر أو على الأقل أن ينتج سردية حقيقية تجاه ما يراه من فقر اجتماعي واضمحلال اقتصادي وبؤس ثقافي، جعل البلد يعيش نوعا من النوسطالجيا الحالمة ببلد «المليون شهيد» وبعيدا في الوقت نفسه عن الحاضر العربي الذي أصبحت فيه الجزائر منسية ولا أثر يذكر لها داخل مسار العلاقات الثقافية العربية.
يعد ياسمينة خضرا في نظر العديد من الكتاب العرب، وجها من وجوه «الكذب الثقافي» ورمزا من رموز المواقف السياسية «المزدوجة» التي لا تخرج عن ما يريده النظام الجزائري، فهو بدون مواقف، ولا أثر يذكر له داخل الوسط الثقافي الجزائري.
لذلك أصبح صاحب «خليل» عبارة عن آلة تحرض على العنف وكاتب «حربائي» يثير الفتن داخل فرنسا، بعدما تراجعت قيمة كتبه داخل بلد موليير، بسبب الأصوات المغربية الجديدة التي أصبحت تحتل مكانة مركزية قوية داخل النسيج الأدبي داخل فرنسا.
هكذا أضحى ياسمينة خضرا داخل فرنسا التي يعيش فيها منذ سنوات طويلة، بمثابة رجل للمخابرات الجزائرية داخل الأوساط الثقافية، فكلما عرت فرنسا عورة الجزائر، أمام العالم وكشفت فساد حكامها وتراجع دور نخبها وهشاشة اقتصادها ودعمها الكامل لمنظمة «البوليساريو» التي باتت منظمة إرهابية في العالم، إلا ويخرج علينا المدعو ياسمينة خضرا ليقدم لنا دروسه في النقد والمواقف الملتزمة وحرية التعبير التي يرى أن فرنسا لم تعد تؤمن بها كما كانت سابقا.
يرفض الأديب العودة للعيش في الجزائر «المنهوبة» من طرف النظام، لكنه يواصل نقده اليومي للمؤسسات الثقافية الفرنكفونية التي أوصلته إلى تلك المكانة التي يحتلها.
لكن في مقابل ذلك، فهو ينتقدها بشكل موسمي كلما تشنجت العلاقات الجزائرية الفرنسية، حيث يظهر وطنيته لـ «نظام العسكر» وليس للجزائر التي يتلقى من كتابها وأدباءها ومثقفيها نقذا لاذعا، لأنه في نظر العديد منهم، أسقط أسمائهم على الأرض ومرغ كرامتهم أمام أنظار العالم، بسبب الخدمات التي أصبح يقدمها لعبد المجيد تبون من خلال نقده الدائم لفرنسا والتغاضي عن المآسي اليومية التي تحدث في جزائر عبد المجيد تبون.
وفي الوقت الذي لم تحظى فيه مقابلة ياسمينة خضرا بأي جدل يذكر داخل الثقافة الجزائرية، حرص ذباب إعلام النظام أنْ يعيد «الاعتبار» لحواره مع باسكال بونيفاس وأن يقتطع الأفكار من جذورها الحقيقية ويركّز بالضبط على انتقاده لفرنسا على خلفية حرية التعبير وما يقع في غزة.
لكنّ الحقيقة لا تتعلق بفلسطين التي لا يعرف عنها شيئا ياسمينة خضرا ولا النظام الجزائري القمعي، بل بمحاولة استفزاز الأوساط الثقافية داخل فرنسا وإحداث رجة داخل مؤسساتها، من أجل لفت الانتباه إليه كإسم جزائري، سيما بعد الغبن الذي أصبحت تعيشه الجزائر داخل الأوساط الثقافية الأمريكية والفرنسية، بعد جريمة الاعتقال التي ارتكبها عبد المجيد تبون في حق بوعلام صنصال والتي أظهرت الوجه الحقيقي للجزائر التي تدعي احترام حقوق الإنسان وتشجع على حرية التعبير.
لذلك أصبح الإعلام الجزائري خاضعا بشكل كامل لسلطة العسكر وإلى مافيات الطبقة الحاكمة، فهو ليس إعلاما مستقلا كما يدعي، بل إعلام وجد ليزور الحقائق ويكرس سردية سلطة عبد المجيد تبون ويمارس الكذب والتضليل على العالم.
