أطاح البطل البريطاني بالزمن الأسطوري الذي سجله هشام الكروج، واضعا حدا لسيطرة مغربية مطلقة على هذا السباق الكلاسيكي امتدت منذ أواخر القرن الماضي.
شهد المضمار ليلة تاريخية تفاعل معها عشاق أم الألعاب عبر العالم، بعدما تمكن كير من تجاوز الحدود الزمنية التي ساد الاعتقاد أنها غدت غير قابلة للمس، الأمر الذي يفتح الباب أمام حقبة جديدة من التنافسية العالية في المسافات المتوسطة.
وسجل العداء الإسكتلندي البالغ من العمر 28 عاما، والمقيم في الولايات المتحدة، زمنا قدره 3 دقائق و42.66 ثانية على مضمار الملعب الأولمبي في لندن، محطما الرقم القياسي السابق البالغ 3:43.13 دقيقة والذي بقي بحوزة المغربي هشام الكروج منذ تحقيقه في روما عام 1999.
وكان كير قد بنى برنامجه للموسم الحالي بهدف تحطيم رقم الكروج التاريخي، مؤكدا قبل السباق أن حالته البدنية « قادرة على تحقيق هذا الإنجاز ».
ودخل صاحب الرقم القياسي البريطاني، والحائز على فضية سباق 1500 م في أولمبياد باريس، المنافسة بأفضل رقم شخصي بلغ 3:45.34 دقيقة، ليحتل حينها المركز السادس في قائمة أفضل العدائين عبر التاريخ في سباق الميل.
وساعده في ضبط إيقاع السباق زميله في التدريبات برانون كيدر، إلى جانب السلوفيني زان رودولف، قبل أن يتمكن من الانفراد بالصدارة في الأمتار الأخيرة.
وبقي الأمريكي ياريد نوغوس، صاحب الرقم القياسي لأمريكا الشمالية والحائز على برونزية أولمبياد باريس، ملازما لكير حتى آخر 200 م قبل أن ينجح البريطاني في زيادة سرعته بشكل حاسم أمام نحو 60 ألف متفرج، احتشدوا في الملعب الذي استضاف أولمبياد لندن 2012.
وعقب عبوره خط النهاية، احتفل كير بحماس كبير، رافعا قبضته في الهواء وسط هتافات الجماهير التي وقفت لتحيته بعد إنجازه التاريخي.
وقبل أن يفرض الكروج هيمنته على الرقم القياسي العالمي، عرفت بريطانيا عددا من أبرز عدائي سباق الميل، يتقدمهم روجر بانيستر، أول من كسر حاجز الأربع دقائق عام 1954، ثم أساطير المسافات المتوسطة ستيف أوفيت، وسيباستيان كو، وستيف كرام الذين سيطروا على سباقات المسافات المتوسطة بين عامي 1979 و1993.
وفي ختام المنافسات، سلم رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى، كو، كير شيكا بقيمة 50 ألف دولار أمريكي، إضافة إلى كتاب يوثق تاريخ أبرز أبطال سباق الميل.
ملحمة روما 1999.. كيف صنع الكروج الإعجاز؟
تعود تفاصيل القصة الأصلية لهذا الرقم الأسطوري إلى السابع من يوليوز سنة 1999، حينما حبس العالم أنفاسه في الملعب الأولمبي بالعاصمة الإيطالية روما، خلال ملتقى «غولدن غالا» الشهير.
انطلق ابن مدينة بركان هشام الكروج فوق أرضية الملعب الأولمبي بالعاصمة الإيطالية روما، ليكتب فصلا استثنائيا في تاريخ أم الألعاب العالمية. شهد ذلك المساء صراعا حابسا للأنفاس ضمن ملتقى «غولدن غالا» لألعاب القوى، حيث وضع العداء المغربي نصب عينيه تحطيم الرقم القياسي العالمي لسباق الميل، والذي كان بحوزة غريمه الجزائري نور الدين مرسلي.
دخل الكروج ذلك السباق وعينه على تحطيم الرقم السابق للجزائري نور الدين مرسلي، مقدما لوحة فنية خارقة تلاحمت فيها السرعة النهائية الفائقة بالقدرة العالية على التحمل البشري.
أنهى الكروج السباق وقتها في زمن إعجازي قدره ثلاث دقائق و43 ثانية و13 جزءا من المائة، محققا إنجازا غير مسبوق في تاريخ الرياضة العالمية.
شهد ذلك السباق التاريخي منافسة شرسة من العداء الكيني نوح نجيني، الذي ضغط بكل قوته خلف الكروج حتى الأمتار الأخيرة، الأمر الذي دفع البطل المغربي إلى تقديم أقصى ما لديه، ليصبح ذلك اللقاء الأسرع على الإطلاق وظل عصيا على الكسر طيلة عقود طويلة.
إرث صامد حير عباقرة ألعاب القوى
جسد ذلك الإنجاز قمة العطاء الرياضي للعداء المغربي، الذي فرض هيمنة مطلقة على المسافات المتوسطة لسنوات طويلة.
وصمد ذلك الرقم القياسي عصيا على الكسر طيلة عقود، وعجزت أجيال متعاقبة من كبار عدائي بريطانيا وكينيا وإثيوبيا عن الدنو من عرش الكروج، ليبقى الرقم صامدا كأحد أقدم الأرقام القياسية في تاريخ ألعاب القوى العالمية.
وأظهرت العقود المتتالية قيمة ما حققه الكروج في روما، إذ تحولت ثلاث دقائق و43 ثانية و13 جزءا من المائة إلى جدار سميك تحطمت عليه طموحات أعظم الرياضيين.
وارتبط اسم المغرب بسباق الميل عالميا بفضل تلك الليلة الصيفية، وبقي الإنجاز ملهما لغرف التحرير الرياضية والشباب الصاعد في معاهد ألعاب القوى الوطنية.
ويمثل الإنجاز الجديد للبريطاني جوش كير تحولا عميقا في خريطة ألعاب القوى، وينهي رسميا أطول فترة صمود لرقم قياسي في مسافة «الميل»، تاركا إرث الكروج ملهما للأجيال المتعاقبة.
