ويترقب المهنيون انكماش الغلة الوطنية بنحو 40 في المائة، الأمر الذي يحيي مخاوف المستهلكين من ارتداد موجة الغلاء واشتعال أسعار «زيت العود» من جديد، رغم ظهور استثناءات ملموسة في أقاليم الشمال تنبئ بوفرة غير متوقعة تعاكس المنحى العام.
أرقام مقلقة ومؤشرات انكماش في الإنتاج
تشير تقديرات الفاعلين المهنيين في القطاع إلى أن حجم المحصول الوطني لن يتعدى 1.2 مليون طن هذا العام، مقارنة بمليوني طن جرى جنيها خلال الموسم الفارط، حين قفز الإنتاج بنسبة ناهزت 93 في المائة مقارنة بمعدل السنوات الثلاث التي سبقته.
وبالتوازي مع ذلك، ترجح قراءات صادرة عن جهات مهنية أوروبية تقهقر إنتاج زيت الزيتون المغربي إلى حدود 100 مليون كيلوغرام فقط، مقابل 180 مليون كيلوغرام في الموسم السابق، مسجلا هبوطا يقارب 44 في المائة، مع بقاء هذه الحسابات معلقة بما ستسفر عنه مردودية الحبات داخل المعاصر خلال الأسابيع القادمة.
تركة الموسم الماضي وعوامل المناخ تُربك الأشجار
تعود أسباب هذا الانحدار في شق منها إلى الطبيعة الدورية لشجرة الزيتون، التي تخلد تلقائيا إلى الراحة وتقلل عطاءها عقب كل موسم غزير.
غير أن المشهد الميداني يحمل بصمات اختلالات مرتبطة بظروف الجني السابق؛ إذ أدى تدني الأسعار وتضخم كلفة اليد العاملة إلى إحجام مزارعين كثر عن قطف كامل ثمارهم، لتظل معلقة بالأغصان وتعيق التفتح الطبيعي للبتلات الجديدة.
وفي تصريح لجريدة «مدار21» الإلكترونية، أكد محمد صبيح، منتج وتاجر زيت زيتون بنواحي بني ملال، أن تراكم الزيتون على الأشجار حرم الأغصان من التجدد، مرجعا ذلك إلى الحسابات المالية المعقدة التي واجهت الفلاحين العام الماضي، حين هوت أسعار الثمار إلى درهمين أو ثلاثة دراهم للكيلوغرام، مقابل قفزة في أجرة العامل اليومية وصلت أحيانا إلى 300 درهم، ليجد الفلاح نفسه يتكبد خسائر فادحة عن كل كيلوغرام يسوقه.
وإلى جانب ثقل تكاليف الجني، تلقت الحقول ضربات مناخية متتالية تمثلت في عواصف رعدية وهطول أمطار طوفانية مفاجئة في غير مواعيدها المعتادة، فضلا عن موجات برد قارس، أدت مجتمعة إلى تساقط الأزهار والثمار الصغيرة قبل نضجها.
استثناء الشمال.. أمطار الخير تبشر بمحصول قياسي
وعلى النقيض من هذه الصورة القاتمة، ترسم بساتين الزيتون في أقاليم الشمال لوحة مغايرة تماما، حيث يسود تفاؤل عريض أوساط المزارعين في مدن القصر الكبير ووزان وشفشاون بقدوم موسم استثنائي يعوض خسائر مواسم الجفاف السابقة.
وجاءت الغيوث المطرية الوفيرة التي سقت أراضي الشمال أواخر فصل الشتاء وبداية الربيع لتبث انتعاشا قويا في الأغصان، ممهدة الطريق لقفزة إنتاجية تقدرها المؤشرات الأولية بما بين 40 و80 في المائة، سواء تعلق الأمر بالأشجار البورية أو المسقية.
وعززت المغروسات الفتية حظوظ هذا التعافي الميداني، إذ أثمرت الأشجار الصغيرة التي جرى غرسها حديثا بكثافة غير متوقعة، وهي التي باتت تشكل السواد الأعظم في وزان وشفشاون بتغطيتها نحو 75 في المائة من المساحات المخصصة لزراعة الزيتون.
وفي منطقة «عين بيضا» ونواحي شفشاون، يتأهب المنتجون لإطلاق عمليات الجني تدريجيا بعد منتصف شهر أكتوبر، على أن تمتد ذروة النشاط الفلاحي بين نهايات الشهر ذاته وبدايات شهر نونبر وحتى منتصف دجنبر، وسط رهانات معقودة على جودة عالية للمحصول ووفرة استخلاص الزيت.
بورصة الأسعار.. تباين جهوي وترقب لاتجاه السوق
ينعكس هذا التباين الإقليمي الحاد على حسابات الأسعار وتطلعات الفاعلين في السوق الاستهلاكية.
فمقابل توجس الأسواق الوطنية من قفزة جديدة تدفع سعر اللتر نحو نطاق يتراوح بين 60 و80 درهما تبعا لشح الإنتاج العام، تشير التوقعات المحلية بوزان ونواحيها إلى هبوط مرتقب ليهوي اللتر الواحد إلى ما دون 35 درهما، متراجعا بأكثر من النصف مقارنة بالموسم الماضي الذي كسر فيه حاجز 70 درهما.
وتبقى الكلمة الفصل في تحديد المسار النهائي للأسعار رهينة بحجم المخزونات المتبقية من طفرة العام القياسي السابق، ومستوى الإقبال الداخلي، إلى جانب المردودية الحقيقية لحبات الزيتون داخل المعاصر مع انطلاق قطار الموسم رسميا مطلع الخريف.
