أثار إعلان النظام الجزائري عن قرار تطبيق عقوبة الإعدام جدلاً واسعاً داخل وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وذلك بين فئة معارضة تتماشى أفكارها مع ما جاءت به جمعية حقوق الإنسان وفئة أخرى مؤيدة تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية والدستور الجزائري.
ورغم أنّ المسألة ليست جديدة داخل القانون الجزائري، إلاّ أنّها أثارت نقاشاً مجتمعياً، سواء داخل الجزائر أو خارجها. ذلك إنّ عقوبة الإعدام، ما تزال تطرح أسئلة كبيرة داخل الواقع اليومي، بسبب صعوبة الوقوف إزاء تطبيق الإعدام من عدمه. غير أنّ الاختيار الجزائري بتطبيق الإعدام بعد تجميده منذ سنة 1993 حيث تم إلقاء القبض على 7 متهمين أدينوا بتفجير مطار الجزائر العاصمة سنة 1992 بعدما خلّفوا العديد من الجرحى، يجعل المرء يفكّر في كل الدوافع الواهية التي تعلّلت بها الجزائر مثل اختطاف الأطفال واغتصابهم وترويج المخدرات. من ثمّ، يحاول النظام الجزائري استغلال هذا العنصر القانوني لتكريس سيطرته على المجتمع، مع ظهور بعض المخاوف حول تطبيق الإعدام في وجه المعارضين السياسيين ودعاة حرية الرأي والتعبير الذين تعمل الجزائر في كلّ مرة على تهديدهم والحكم عليهم بالسجن لسنوات طويلة مع فرض غرامات مالية كبيرة عليهم.
يستغرب المرء كيف أنّ الجزائر التي كانت سنة 2008 بالأمم المتحدة تدعو إلى إلغاء عقوبة الإعدام، أنْ تصبح اليوم على عرش البلدان العربيّة التي تشجّع على تطبيق الإعدام. وقد جاء هذا القرار في وقتٍ تعيش فيه الجزائر خريفاً سياسياً قاحلاً ووضعية اقتصادية منكوبة وواقع اجتماعي معطلّ تتفاقم فيه البطالة والفقر يوماً بعد يوم، بما يجعلها تظهر بمظهرها الدكتاتوري الحقيقي الذي يضرب في عمق عمل المنظمات غير الحكومية والرأي العام الدولي وكل ميراث منظمات حقوق الإنسان، على أساس أنّ تطبيق عقوبة الإعدام، لا يمكن اعتبارها من الحلول الإنسانية، رغم ما يقدّمه النظام الجزائري من ذرائع وشواهد على المأساة التي باتت تعيشها بعض المدن الجزائرية التي يجرى فيها اغتصاب الأطفال واختطافهم من عائلاتهم، وهو ما يعكس عمق الأزمة التي يعيشها الأمن الجزائري وعدم قدرته على ضبط المجتمع وحركيته والوقوف في وجه كل ما قد يُهدّد سلامة الأفراد داخل مجتمعهم.
تفاجأت جمعيات المجتمع المدني كيف تجرأ النظام الجزائري للإعلان عن تطبيق العقوبة في هذا الشهر(أكتوبر) الذي تُنظّم فيه عالمياً وقفات احتجاجية ولقاءات فكرية تناقش واقع عقوبة الإعدام في العالم. بيد أنّ مؤسسة العسكر انتهكت وبشكل صارخ الحقّ في نزع الحياة عن الإنسان، وهو التصوّر الوجودي الذي تبنته منذ سنوات طويلة منظمات حقوق الإنسان، حيث تعمل بشكل يومي على التنديد بخطوة تطبيق هذا الإجراء القانوني الذي وإنْ كان قد يبدو حلاً في نظر المؤسسات القانونية، فإنّه قد يُستعمل من جهة أخرى في تصفية حسابات شخصية مع الأنظمة السياسية، كما قد يحدث مستقبلاً في الجزائر.
إذا كانت الجزائر تدعي منذ خمسينيات القرن الماضي خلال الحقبة الاستعمارية، أنّ العديد من المناضلين والمقاومين الجزائريين تعرضوا للإعدام وانتزاع الحقّ في الحياة على يد الاستعمار الأجنبي، كما يُظهر ذلك الدستور الجزائري، فإنّها اليوم تتطاول على الاتفاقيات الدولية وتمرّغ كرامة جمعيات المجتمع المدني وتفرض قانون تطبيق عقوبة الإعدام أمام أنظار العالم، في وقتٍ تواصل فيه الجزائر إنتاج ميثولوجياتها حول الحق والعدالة والسلم.
