تحدد الوثيقة الجديدة الإطار العمراني الذي سيحكم تطور واحدة من أكثر مقاطعات الدار البيضاء كثافة واستراتيجية. وتأتي هذه الخطوة تتويجا لمسار استمر عدة سنوات. فالملف خضع للدراسة من قبل اللجنة التقنية المحلية في 17 أبريل 2025، قبل أن يطرح للبحث العمومي على مستوى جماعة الدار البيضاء ومقاطعة المعاريف خلال الفترة الممتدة من 11 شتنبر إلى 10 أكتوبر 2025.
بعد ذلك، عرض المشروع على الهيئات المنتخبة، حيث ناقشه مجلس جماعة الدار البيضاء خلال دورة استثنائية عقدت يوم دجنبر 2025، بينما عقد مجلس مقاطعة المعاريف دورة استثنائية يوم 31 أكتوبر من العام نفسه. وأخيرا، اجتمعت لجنة مكلفة بدراسة شكايات العموم ومقترحات المجلس يوم 25 مارس 2026.

لا يحدث المخطط الجديد تغييرا جذريا في النسيج العمراني لمقاطعة المعاريف، بل يندرج في إطار استمرارية مقارنة بمخطط التهيئة السابق، مع إدخال تعديلات على تقسيم المناطق ومواكبة التحولات التي تشهدها بعض القطاعات.
ففي منطقة فرانسفيل بشكل خاص، سيشهد المثلث، الذي كان مخصصا سابقا للفيلات، إقامة مبان سكنية قد يصل ارتفاعها إلى طابق أرضي زائد ثلاثة طوابق. من المقرر أيضا تحويل منطقة أخرى كانت مخصصة للفيلات، وتقع بين شارع العربي الدغمي وشارع غاندي، إلى منطقة مبان سكنية بارتفاع يصل إلى الطابق الأرضي زائد ثلاثة طوابق.
وعلى امتداد شارع عبد المومن، تتفاوت الارتفاعات المسموح بها حسب القطاعات، حيث تتراوح المباني بين الطابق الأرضي زائد خمسة طوابق والطابق الأرضي زائد تسعة طوابق. كما يتوقع المخطط إنشاء منطقة حضرية مختلطة بارتفاع يصل إلى طابق أرضي زائد عشرة طوابق في موقع غير مستغل يقع على شارع إبراهيم الروداني، مع إمكانية رفع الارتفاع ليصل إلى طابق أرضي زائد اثني عشر طابقا في حال إقامة منشأة فندقية.
وهكذا، تواكب الوثيقة عملية زيادة الكثافة العمرانية في بعض القطاعات، مع تخصيص مساحات لمرافق جديدة وشبكات الطرق والمساحات العمومية.
قطب متعدد الأنماط في باشكو
ومن بين المشاريع المهيكلة الكبرى، يبرز المشروع المخطط له في منطقة باشكو، بالقرب من محطة الدار البيضاء-الوازيس والطريق السيار. وقد خصص الموقع لإنشاء مركز متعدد الأنماط يجمع بين وظائف متنوعة، تشمل الوظائف التجارية والسكنية والخدماتية.
وعلى الأرض التي كانت يشغلها سابقا دوار باشكو، شرعت مجموعة العمران بالفعل في إنجاز مشروع الوازيس سيتي، وهو حي جديد مختلط. ويمتد المشروع على مساحة تناهز 10 هكتارات، ويشمل مباني قد يصل ارتفاعها إلى طابق أرضي زائد أربعة عشر طابقا، ومركبا فندقيا يضم 500 غرفة، بالإضافة إلى محلات تجارية ومكاتب وتجهيزات للقرب.
ويهدف المخطط الجديد إلى مواكبة التحول الذي تشهده هذه المنطقة الاستراتيجية، التي تقع عند تقاطع عدة محاور مرورية رئيسية وبالقرب من مركز مواصلات مهم.
وفي إطار مشاريع كبرى أخرى، من المقرر تحويل الموقع الحالي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد إلى مدينة صحية حقيقية. ويغطي المشروع مساحة تناهز 56 هكتارا، ويهدف إلى إعادة تنظيم المكونات المختلفة للموقع الاستشفائي وتحسين ترابطها. كما يعتزم المخطط إمكانية تشييد برج قد يصل ارتفاعه إلى حوالي ثلاثين طابقا.
درب غلف.. الملف الأكثر حساسية
ولكن، لا شك أن منطقة درب غلف ستشهد أبرز التداعيات الملموسة لمخطط التهيئة الجديد، إذ سيتغير بموجب الوثيقة الجديدة وضع جوطية درب غلف، التي تعد منذ عقود أحد أهم الأقطاب التجارية الشعبية في الدار البيضاء. وهكذا، سيتم تصنيف الموقع من الآن فصاعدا كمرفق عام.
ويمثل هذا التحول اختلافا جوهريا مقارنة بالمخطط السابق. فهذا الأخير كان ينص على وجه الخصوص على تخصيص الموقع لأغراض عقارية تشمل مباني قد يصل ارتفاعها إلى طابق أرضي زائد ست طوابق علوية، مع محلات تجارية في الطابق الأرضي. وبالمقابل، يعطي المخطط الجديد الأولوية لعملية إعادة الهيكلة والتجديد العمراني.
وهكذا، تعتزم جماعة الدار البيضاء إعادة تهيئة السوق في موقعه الحالي، مع اعتماد تنظيم جديد للأنشطة التجارية.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال المشروع في مجرد بناء مركز تجاري تقليدي. فقد أوضح عبد الصادق مرشد، رئيس مقاطعة المعاريف، في تصريح لـLe360، أن الهدف يتمثل في الحفاظ على درب غلف كقطب تجاري مع تحديث بنياته التحتية.
كما أكد أن المشروع قد صمم بالتشاور مع التجار، وأنه يراعي الخصوصية المميزة للأنشطة الممارسة في الجوطية. بالنسبة له، فإن هذه الأخيرة لا تتطلب مبانٍ تتجاوز طابقين.
كما يشمل المشروع المحيط المباشر للسوق، بما في ذلك موقف للسيارات ومسجد ومساحات خضراء ومرافق صحية، مع التخطيط أيضا لإنشاء منطقة مخصصة للحرف التقليدية.
وتهدف هذه المقاربة إلى الحفاظ على الطابع التجاري والشعبي لدرب غلف، مع وضع حد للتنظيم الحالي الذي لم يعد يتماشى مع المتطلبات الراهنة المتعلقة بالسلامة وحركة المرور ومواقف السيارات والتهيئة الحضرية.
وتعد مسألة مصير السكان والتجار، بطبيعة الحال، إحدى القضايا الرئيسية في المشروع. ويتمثل المبدأ المعلن حتى الآن في التجديد في الموقع نفسه، وليس نقل السكان إلى حي آخر.
ومن المقرر إنشاء منطقة للتجديد الحضري، وتحديدا بين زنقتي سمية وليوناردو دا فينشي. ويجب أن تخضع تهيئتهما لدراسة خاصة تهدف إلى تحديد البرنامج وآليات التنفيذ. كما ستتم إدارة المشروع بمشاركة مختلف الأطراف المعنية وتحت إشراف لجنة مشتركة على مستوى العمالة يرأسها العامل.
وتتضمن عملية تحويل درب غلف أيضا إعادة تهيئة شاملة لشبكة الطرق. وهكذا، سيتم توسيع عدة طرق لتسهيل حركة المرور حول الجوطية وتحسين ربط المنطقة بالمحاور الطرقية الرئيسية المجاورة.
ومن المنتظر أن يصل عرض بعض الطرق إلى 30 مترا في محيط السوق، بينما يرتقب أن يصل العرض إلى 50 مترا بالقرب من تقاطع شارعي عبد المومن وأنوال.
كما سيتم إنشاء طريق جديد بعرض 20 مترا تقريبا لربط زنقة البشير لعلج بشارع أنوال. وفضلا عن ذلك، خصصت مساحات عديدة لإنشاء طرق جديدة أو توسيع الطرق القائمة ضمن نطاق مشروع التجديد. والتهيئات تستلزم بالضرورة عمليات اقتناء عقاري.
وقد باشرت جماعة الدار البيضاء الإجراءات اللازمة لاستعادة الأراضي الضرورية لتنفيذ المشروع. وتبلغ مساحة نطاق «الجوطية» حوالي 54 ألف متر مربع تشغلها مرافق السوق، وذلك وفقا للمعطيات المقدمة في إطار المشروع.
درب غلف: من «جوطية» إلى «مول».. التجار يترقبون مصيرهم
ويعد إعلان المنفعة العامة، الذي يرافق مخطط التهيئة الجديد، خطوة قانونية حاسمة في هذا الصدد. إذ سيتيح الشروع في إجراءات اقتناء الأراضي اللازمة لإنجاز التجهيزات والبنيات التحتية التي نصت عليها وثيقة التهيئة العمرانية.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بوضوح بين عملية نزع ملكية الأراضي وبين مصير السكان أو التجار. فإعلان المنفعة العامة لا يعني، في حد ذاته، ترحيلا تلقائيا لسكان درب غلف. إذ لا يزال يتعين تحديد آليات التجديد، واستمرار الأنشطة، وكيفية تعويض الملاك المعنيين عند الاقتضاء، وذلك في إطار الإجراءات والمشاريع اللاحقة.
أشغال تمتد على مراحل
تشكل مسألة استمرار النشاط التجاري أثناء فترة الأشغال تحديا رئيسيا آخر. وفي تصريح لـLe360، أقر عبد الصادق مرشد بوجود «مخاوف مشروعة» لدى التجار، مشيرا إلى أن التوجه المعتمد يقضي بتنفيذ الأشغال على مراحل، وذلك للحد قدر الإمكان من توقف النشاط التجاري.
إن الرهان كبير. فخلف مئات المتاجر والأنشطة التي تمنح درب غلف حيويته، توجد مئات الأسر التي تعتمد، بشكل مباشر أو غير مباشر، على هذه الجوطية.
وبالتالي، سيتعين على المشروع إيجاد توازن بين ضرورة إعادة هيكلة منطقة تعاني حاليا من الاكتظاظ، وبين الحفاظ على نشاطها الاقتصادي. كما سيتعين على عملية تحديث الموقع معالجة مشاكل تتعلق بالسلامة، ومواقف السيارات، وحركة المرور، وحالة البنيات التحتية.
ويشكل نشر المرسوم في الجريدة الرسمية محطة حاسمة. ويتمثل التحدي من الآن فصاعدا، في ما يخص درب غلف، في ترجمة توجهات المخطط إلى مشروع عمراني متكامل، قادر على تحديث واحد من أبرز أسواق الدار البيضاء، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هويته وطابعه التجاري الشعبي ودوره الاقتصادي والاجتماعي في المعاريف.
