الأبناك المغربية في أوروبا: بعد فرنسا.. المغرب يفتح جبهة جديدة في هولندا

أوراق نقدية من فئات مختلفة للعملة الأوروبية: اليورو

في 25/06/2026 على الساعة 07:00

تواصل المملكة مباحثاتها المكثفة مع الدول الأوروبية لحماية أنشطة أبناكها في القارة العجوز وضمان تدفق تحويلات مغاربة العالم. ودخل المغرب في مفاوضات مباشرة مع هولندا عقب التوصل إلى اتفاق إيجابي مع فرنسا، مع التخطيط لتوسيع هذه الخطوة لتشمل بلجيكا وإسبانيا وإيطاليا، قصد تطويق تداعيات توجيه أوروبي صارم بدأ سريانه مطلع سنة 2026.

وتتسارع التعبئة المغربية لتحصين نشاط الأبناك الوطنية في أوروبا وتأمين تدفقات أموال المغاربة المقيمين بالخارج.

وأفاد عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، خلال ندوة صحفية عقدت يوم الثلاثاء 23 يونيو عقب الاجتماع الفصلي لمجلس البنك، بأن المحادثات التي باشرتها المملكة مع بلدان أوروبية تسير في أجواء مشجعة.

وخاضت السلطات المغربية جولات تفاوضية انطلقت أولا مع المفوضية الأوروبية قبل أن تنتقل إلى المستوى الثنائي مع الدول المعنية، بغرض تأمين استمرارية الخدمات المقدمة للجالية، في مواجهة توجيه أوروبي دخل حيز التطبيق في فاتح يناير 2026، والذي قد يعرقل أنشطة المؤسسات المالية غير الأوروبية داخل الاتحاد، وبالتالي يؤثر سلبا على تحويلات مغاربة الخارج نحو وطنهم.

وبخصوص مستجدات الحوار مع الشركاء الأوروبيين، أوضح الجواهري أن المغرب انتزع سابقا اتفاقا مرجوا مع فرنسا يضمن مواصلة الأبناك المغربية لأنشطتها الموازية فوق التراب الفرنسي. وأكد والي البنك المركزي قائلا: «حصلنا مع فرنسا على اتفاق لا يمس مطلقا بالأنشطة الوسيطة للأبناك المغربية».

ودفع هذا النجاح المملكة إلى توسيع نطاق محادثاتها لتشمل دولا أوروبية أخرى تحتضن جالية مغربية مهمة. وزاد راعي البنك المركزي موضحا: «نحن بصدد فتح الملفات مع دول أخرى، إذ بدأنا حاليا مناقشات مع هولندا، وسننتقل بعدها إلى بلجيكا، كما برمجنا لقاءات مع إسبانيا وإيطاليا».

وكشف المسؤول ذاته أن الاتصالات الأولية مع السلطات الهولندية تمر في ظروف إيجابية عموما، رغم أن المفاوضات تبدو أقل سهولة مما كان متوقعا.

وشرح الجواهري الأمر بقوله: «المنهجية التي دبرنا بها الأمور مع فرنسا كانت مفيدة، لكنها يبدو أنها غير كافية بالنسبة للدول الأخرى، نظرا لأن كل بلد يتمتع بالسيادة الكاملة في تنزيل هذا التوجيه بالشكل الذي يراه مناسبا».

ورغم هامش التأويل المتاح لأعضاء الاتحاد الأوروبي في تطبيق هذه القواعد، يظل والي بنك المغرب متفائلا بشأن مخرجات المفاوضات الجارية.

فريق عمل على كل الجبهات

ويقود فريق عمل مشترك، يضم بنك المغرب ووزارتي المالية والشؤون الخارجية والأبناك المعنية، تحركات مكثفة لدى السلطات الأوروبية للدفاع عن مصالح المملكة.

وأبرز عبد اللطيف الجواهري أن «هذا الفريق ينجز عملا عميقا، ويمارس ضغطا متواصلا من أجل ترجيح كفة التعامل بالمثل بناء على المصالح المشتركة التي تربط هذه الدول بالمغرب عموما»، مشيرا إلى أن هذه المهمة تتطلب مزيدا من الوقت.

وتوقع المتحدث أن «يستغرق هذا العمل سنة 2026 بأكملها»، معتبرا في الآن ذاته أن الإشارات المتوصل بها حتى الآن تبقي على التفاؤل. وجزم والي بنك المغرب بأنه «لا داعي للقلق في الوقت الحالي»، متحدثا عن «انطباع إيجابي» عقب اللقاءات الأولى مع الجانب الهولندي.

ويبدو الرهان كبيرا في هذه المعركة الاقتصادية. وأوضح الجواهري: «ما نحاول التصدي له هو بقاء التدفقات المالية داخل أوروبا». وتابع مؤكدا: «نريد أن تواصل تحويلات الجالية تدفقها كالمعتاد لتستقر في حسابات بنكية مغربية، بهدف تغذية الادخار الوطني والمساهمة في الاستثمار داخل المملكة».

وفي هذا السياق، مكنت المباحثات مع فرنسا من رصد وتفكيك العقبات الرئيسية الكفيلة بفرملة العمليات الموازية للأبناك المغربية. واستطرد قائلا: «لقد حسمنا كل النقاط الخلافية مع فرنسا، وسنسير على النهج نفسه مع باقي الدول».

وصيغ التوجيه الأوروبي، المصادق عليه في يونيو 2024، لفرض رقابة أكثر صرامة على أنشطة المصارف غير الأوروبية العاملة داخل الاتحاد.

ومع أن هذا النص التشريعي وضع أساسا في سياق مرحلة ما بعد «البريكسيت» لاستهداف الأبناك البريطانية، فإنه يطال أيضا المؤسسات المغربية المستقرة في أوروبا عبر فروعها ووكالاتها ومكاتب تمثيلها.

رهان استراتيجي للمملكة

وكان الجواهري أعلن في مارس الماضي عن تقدم بارز تمثل في مصادقة المفوضية الأوروبية على الاتفاق المبرم بين المغرب وفرنسا. وساهم هذا الضوء الأخضر في تحصين التوافق مع باريس، ليتحول إلى نموذج يحتذى به في المفاوضات المفتوحة مع العواصم الأوروبية الأخرى.

وتسعى السلطات المغربية الآن إلى استنساخ هذه التجربة مع باقي الدول الأعضاء، وتحديدا هولندا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا، لتأمين وجود الأبناك الوطنية في القارة العجوز على المدى الطويل.

ويتجاوز هذا التحدي القطاع البنكي الصرف، بالنظر إلى الدور الحيوي الذي تلعبه تحويلات مغاربة العالم في دعم الاقتصاد الوطني. وضخت هذه التحويلات ما يفوق 122 مليار درهم سنة 2025، ويرتقب أن تواصل منحاها التصاعدي خلال السنوات المقبلة لتلامس 130 مليار درهم بحلول سنة 2027، وفق توقعات بنك المغرب.

وأمام هذه الأرقام، لا يفرط المغرب في حذره، إذ يعتزم مواصلة مفاوضاته دولة تلو أخرى لمنع القواعد الأوروبية الجديدة من تقويض آلية حيوية لتمويل النسيج الاقتصادي الوطني، وإضعاف الروابط المالية التي تجمع مغاربة العالم بوطنهم الأم.

تحرير من طرف أودود لحسن أودود
في 25/06/2026 على الساعة 07:00