العربي العراقي الحسيني، حرفي بدار الدبغ شوارة على امتداد تلاثة عقود، يستعيد، في تصريحه لـLe360، تفاصيل هذه الحرفة التي ظل مشعلها ينتقل داخل العائلات الفاسية، حيث يتلقى الأبناء أسرار المهنة عن آبائهم ويواصلون بدورهم الحفاظ عليها داخل هذه المعلمة التي تعد من أكبر وأعرق مدابغ المملكة عالميا.
تبدأ رحلة الجلد الطبيعي، حسب المتحدث، بعد وصوله من سوق عين النقبي للجلود، حيث يخضع أولا لعملية المعالجة والتهيئة قبل وضعه في مادة «الجير» و«زق الحمام» لمدة تصل إلى أسبوعين، مع تقليبه باستمرار، وهي مرحلة تساعد على تليين الجلد وإعداده لمواصلة باقي مراحل الدباغة، بفضل المواد التي يحتوي عليها، والتي تساهم في تفكيك بقايا الأنسجة وجعل الجلد أكثر ليونة وقابلية للمعالجة.
بعد ذلك، تنتقل الجلود إلى مرحلة التلوين داخل الأحواض، حيث يستعمل الحرفيون مواد طبيعية للحصول على الألوان المختلفة، فاللون الأحمر يستمد من الورد، والبني من خشب الأرز، فيما يمنح الزعفران الحر الجلد لونه الأصفر المميز، وهو اللون الذي يرتبط بصناعة البلاغي الزيوانية المعروفة بجودتها ولونها الخاص بمدينة فاس.
وتتطلب هذه المراحل خبرة دقيقة في تحديد المدة المناسبة وكمية المواد وطريقة التعامل مع الجلد، وهي تفاصيل لا تختزل في خطوات مكتوبة، بل تشكل جزءا من المعرفة الحرفية التي يتناقلها الدباغون بالممارسة والتجربة.
وبعد استكمال الدباغة والتلوين، تنقل الجلود إلى الأسطح المحيطة بالمدبغة لتجفيفها، قبل أن تصل إلى الصناع التقليديين الذين يحولونها إلى بلاغي ومحافظ وحقائب وغيرها من المنتجات الجلدية، لتكتمل بذلك رحلة تبدأ بالجلد الخام وتنتهي بمنتج تقليدي يحمل بصمة الصانع.
يكشف العربي في حديثه، جانبا آخر من التاريخ الطويل للدباغة بمدينة فاس، التي كانت تضم خلال فترات سابقة عشرات الورش المتخصصة، قبل أن ينحصر وجودها اليوم داخل المدينة العتيقة في ثلاث مدابغ رئيسية، هي دار الدبغ شوارة، وعين أزليطن، وسيدي موسى، اذ يرتبط استمرار هذه الحرفة تاريخيا بالماء، الذي يشكل عنصرا أساسيا في مختلف مراحل معالجة الجلود، وهو ما يفسر إقامة المدابغ بالقرب من مجاري المياه.
محسن الشلفي، حرفي آخر بالمدبغة، يرى أن قيمة شوارة لا تختزل في قدمها، وإنما في قدرتها على الحفاظ على حرفة نادرة توارثتها أجيال متعاقبة، فاستمرار العمل بالطرق التقليدية حسب قوله، يجعل من المكان شاهدا حيا على مهنة حافظت على حضورها رغم تغير و تطور وسائل الإنتاج مع الزمن.
اليوم، لا تزال دار الدبغ شوارة تستقطب زوارا من مختلف أنحاء العالم، من بينهم أمريكيون وفرنسيون وألمان وإيطاليون، يأتون لاكتشاف طريقة اشتغال هذه المدبغة العريقة والتعرف على حرفة ارتبط اسمها بمدينة فاس منذ قرون، غير أن الحرفيين يسجلون أن هذا الاهتمام الدولي لا يقابله دائما إقبال مماثل من المغاربة على اكتشاف جزء من ذاكرتهم الحرفية، داعين إلى تعزيز ثقافة زيارة هذه المعالم لدى الأجيال الجديدة، حتى تظل هذه الحرف شاهدة على غنى الموروث الثقافي للمملكة.
