هاجر تخوض اختبارا مختلفا عن باقي زملائها، حيث يصبح الضوء نفسه تهديدا، ويغدو الخروج إلى العالم الخارجي مخاطرة يومية، ومع ذلك، لم تمنعها هذه الظروف من مواصلة دراستها، ولا من التمسك بحقها الكامل في اجتياز امتحان الباكالوريا، بوصفه محطة مفصلية في مسارها التعليمي.
وفي استجابة تعكس حسا إنسانيا وتربويا عاليا، تعبأت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس ماسة، بتنسيق مع مختلف المتدخلين، لوضع ترتيبات خاصة تراعي وضعها الصحي، وتضمن في الوقت نفسه مبدأ تكافؤ الفرص، ترتيبات لم تكن مجرد إجراء إداري، بل تجسيدا عمليا لفكرة مدرسة دامجة، قادرة على التكيف مع الحالات الخاصة دون أن تفرط في معايير العدالة والإنصاف.
وهكذا، يتحول الامتحان من فضاء ضاغط إلى مساحة مهيأة بعناية داخل منزل التلميذة، حيث يعاد تعريف العلاقة بين التعلم والظروف الإنسانية، وبين الحق في المعرفة والحق في الأمان الصحي.
هاجر، التي تتابع دراستها بالسنة الثانية باكالوريا شعبة الآداب والعلوم الإنسانية، لم يكن طريقها نحو هذا الاستحقاق العادي سهلا، فمرضها النادر يفرض عليها تجنب أي تعرض لأشعة الشمس فوق البنفسجية، ما يجعل الخروج إلى مراكز الامتحان التقليدية مخاطرة صحية حقيقية.
وبين جدران منزلها، تم إحداث قاعة خاصة تابعة لمركز الامتحان بالثانوية التأهيلية المنصور الذهبي بجماعة أقا، حيث تخوض هاجر امتحانها، لا بوصفه اختبارا دراسيا فحسب، بل لحظة مواجهة صامتة بين الإرادة والمرض، وبين الحلم والواقع.
وتحمل قصة هاجر في طياتها رسالة أمل قوية لكل التلاميذ الذين يواجهون ظروفا صحية أو اجتماعية صعبة، مفادها أن الإرادة قادرة على شق طريقها رغم العوائق، وأن الدعم المؤسسي والإنساني يمكن أن يصنع الفارق في حياة الأفراد، ويمنحهم فرصة حقيقية لإثبات قدراتهم وتحقيق أحلامهم.
وفي بوح لوكالة المغرب العربي للأنباء، لم تخف هاجر الخو امتنانها العميق لهذه المبادرة، معبرة عن شكرها لكل الأطر الإدارية والتربوية والأساتذة الذين حرصوا على تهيئة هذا الفضاء الخاص، حتى تتمكن من اجتياز الامتحانات في أجواء مريحة وإنسانية، تمنحها الإحساس بأنها ليست استثناء معزولا، بل جزءا من مسار تعليمي عادل ومنصف.
وأضافت أن هذه المبادرة لم تكن مجرد تسهيل إداري، بل شكلت دعما نفسيا ومعنويا كبيرا منحها إحساسا بالأمان والثقة، معبرة عن أملها في مواصلة مسارها الدراسي الجامعي، حيث زادت هذه التجربة من إصرارها على تحقيق طموحاتها، رغم التحديات الصحية التي ترافقها يوميا.
وتعكس هذه المبادرة صورة مشرقة لمدرسة عمومية تجعل من الإنسان محور اهتمامها، وتؤمن بأن العدالة التربوية لا تتحقق بالمساواة الشكلية فقط، بل بالقدرة على توفير الشروط الملائمة لكل متعلم بحسب حاجياته الخاصة، فحين تتكيف المؤسسة مع ظروف المتعلم، فإنها تؤكد أن الحق في التعليم حق أصيل لا تحده الإعاقة ولا المرض.
وفي هذا الإطار، أكد المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بطاطا، عبد اللطيف أجكرير، أن هذا الإجراء يندرج في صميم فلسفة تكافؤ الفرص، مشيرا إلى أن ضمان حق التلميذة في اجتياز الامتحان لم يكن خيارا إداريا فقط، بل التزاما أخلاقيا وتربويا، استدعى تعبئة مختلف الإمكانيات اللوجستية والبشرية لضمان سير العملية في أفضل الظروف.
وأبرز أن نجاح هذه العملية هو ثمرة تنسيق محكم بين مختلف المتدخلين، وإيمان جماعي بأن لكل تلميذ الحق في أن يمنح الفرصة نفسها لتحقيق طموحه الدراسي، مهما كانت الظروف الصحية أو الاجتماعية المحيطة به.
وهكذا، تظل قصة هاجر الخو أكثر من مجرد حالة استثنائية في امتحانات الباكالوريا، إنها رسالة بليغة عن معنى مدرسة دامجة، تؤمن بأن الاختلاف لا يلغي الحق، وأن المرض لا يجب أن يكون حاجزا أمام الحلم، وأن التعليم حين يبنى على الإنصاف، يصبح قادرا على تحويل أصعب الظروف إلى فرص جديدة للحياة.
وفي لحظة اجتياز الامتحان، لا تبدو هاجر مجرد مترشحة لنيل شهادة الباكالوريا، بل نموذجا حيا للإصرار والصمود، إنها تكتب، من داخل فضاء أعد خصيصا لحمايتها، فصلا جديدا من قصة عنوانها التحدي، ورسالتها أن الأحلام الكبيرة لا تتوقف عند حدود المرض، بل تستمد قوتها من الإيمان بالذات ومن وجود مؤسسات تؤمن بدورها بأن كل نجاح فردي هو انتصار لقيم المجتمع بأسره.
