وبرحيل الشيخ لاراباس، تفقد مدينة العيون والصحراء المغربية شخصية جمعت بين العلم والقضاء والتأطير الديني والحضور الاجتماعي، وراكمت، خلال مسار طويل، مكانة جعلتها واحدة من الأسماء البارزة في الحياة العامة بالمنطقة.
من بيت العلم إلى رحاب الشأن العام
ينحدر الراحل من أسرة الشيخ ماء العينين، إحدى الأسر العلمية ذات الحضور التاريخي الراسخ في الصحراء المغربية، وهي الأسرة التي ارتبط اسمها بالعلم والتدريس والإرشاد والزاوية وخدمة المجتمع.
وكان الشيخ لاراباس وفيا لهذا الإرث، إذ واصل حضور الأسرة في المجال الديني والاجتماعي، قبل أن ينفتح مساره على مجالات أخرى، في مقدمتها القضاء والعمل المؤسساتي والتأطير الديني.
وتدرج الراحل في سلك القضاء، من القضاء الشرعي إلى رئاسة المحكمة بطانطان، ثم تولى مسؤوليات قضائية بمدينة العيون، كما شغل مهام في المجلس الأعلى للقضاء. وقد جعل منه هذا المسار أحد الأسماء التي جمعت بين المرجعية الدينية والخبرة القانونية والحضور في مؤسسات الدولة.
رئيس المجلس العلمي بالعيون لعقود
ارتبط اسم الشيخ لاراباس بشكل خاص بالمجلس العلمي المحلي لمدينة العيون، الذي تولى رئاسته منذ سنة 1981، وظل في هذا الموقع لعقود، ليصبح أحد أبرز الوجوه المؤسسة للمشهد الديني المؤسساتي في الأقاليم الجنوبية.
وكان حضور الشيخ لارباس في الحقل الديني يتجاوز الجانب المؤسساتي، إذ ارتبط اسمه بالتأطير والموعظة والحضور في الأنشطة العلمية والدينية، وبالدور الذي لعبته الزاوية والأسرة العلمية في الحياة الاجتماعية بالصحراء.
قاضٍ وعالم وشخصية عامة
لم يكن مسار الراحل محصورا في المجال الديني. فقد جمع الشيخ لاراباس بين التكوين الشرعي والعمل القضائي والحضور في الحياة العامة، وهي تركيبة جعلت منه شخصية ذات تأثير في محيطه.
وتشير شهادات إلى أنه كان من الأسماء الحاضرة في عدد من الملفات والقضايا التي شغلت الرأي العام المحلي، كما شارك في ندوات ولقاءات تناولت تاريخ الصحراء والبيعة والوحدة الوطنية والترابية، إلى جانب علماء وأعيان وفاعلين من المنطقة.
وفي هذا السياق، ارتبط اسمه كذلك بالمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، ضمن مسار من الحضور المؤسساتي الذي جعله قريبا من عدد من القضايا المرتبطة بتاريخ المنطقة وحاضرها.
إرث يتجاوز المناصب
لعل أهم ما يميز مسيرة الشيخ لاراباس أن حضوره لم يكن مرتبطا بمهنة واحدة. فقد جمع الرجل، على امتداد عقود، بين موقع العالم، ومهمة القاضي، ودور المؤطر الديني، ومكانة أحد أعيان أسرة علمية عريقة.
ولهذا فإن رحيله لا يمثل فقط فقدان شخصية دينية بالنسبة إلى مدينة العيون، وإنما يطوي أيضا صفحة من صفحات جيل من رجالات الصحراء الذين عاشوا مراحل دقيقة من تاريخ المنطقة، وانتقلوا بين أدوار متعددة، من القضاء والعلم إلى الشأن العام وخدمة المجتمع.
وقد شكل تكريم أطر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية له سنة 2023، عقب مغادرته رئاسة المجلس العلمي المحلي، مناسبة لاستحضار هذا المسار، حيث وصفته شهادات المشاركين بأنه كان من الوجوه التي أسهمت في نشر العلم والمبادئ الدينية وفي تطوير العمل الديني بالأقاليم الجنوبية. كما استحضرت مساره في القضاء وما راكمه من مسؤوليات وأوسمة.
واليوم، إذ يرحل الشيخ لاراباس، تبقى سيرته جزءا من الذاكرة الدينية والاجتماعية لمدينة العيون وللصحراء المغربية، كما تبقى الزاوية والأسرة والعديد من تلامذته ومعارفه شاهدة على حضور رجل قضى عقودا في خدمة العلم والقضاء والمجتمع.
