استقطب الراحل، إبان عمله أستاذا بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء، اهتمام الطلبة على نحو لافت تجاوز حدود قاعات الدرس المألوفة. يستحضر كل من عايش محاضراته مدرجا يمتلئ عن آخره قبل انطلاق الحصة بنحو ساعة كاملة، حيث كان يخصص الجزء الأول من كل لقاء للتفاعل مع أسئلة الحاضرين وربطها المباشر بنبض الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، مانحا دروسه بعدا حواريا ونقديا يلامس تحولات المجتمع والمغرب ككل.
رأى بنعمور النور عام 1941، ونال دكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية من جامعة «السوربون» عام 1968، ليدرس لاحقا بجامعتي محمد الخامس بالرباط والحسن الثاني بالدار البيضاء بين سنتي 1966 و2001. كما قاد المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات «إيسكا»، قبل أن يؤسس سنة 1988 معهد الدراسات العليا للتدبير HEMالذي برز كإحدى كبريات مؤسسات التسيير وإدارة الأعمال بالمملكة.
ولم تنحصر اهتمامات الراحل داخل الفضاء الأكاديمي أو عوالم المقاولة، بل خاض غمار العمل العام كبرلماني سابق عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالدار البيضاء ومستشار جماعي، فضلا عن حضوره الوازن في المجتمع المدني. ترأس بين 1995 و2002 جمعية «بدائل» التي ظل رئيسا مؤسسا لها.
شكلت الجمعية فضاء للتفكير في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى، وسعت للتأثير في النقاش العمومي ومحاورة صناع القرار، حيث أشرف بنعمور على تنظيم ندوات وملتقيات غطت ملفات جوهرية مثل إصلاح منظومة العدالة، مسار الديمقراطية، المؤسسات، ومسألة التنمية الاقتصادية.
عكست تلك المحطة قناعة راسخة رافقت بنعمور طوال مسيرته، وهي أن رجل الاقتصاد لا ينبغي له الانغلاق داخل أسوار الأكاديميا، إذ واصل الانخراط بفعالية في سجالات الإصلاح المؤسساتي وتحديث الدولة وتنمية البلاد، جاعلا من صوته المدني قوة اقتراحية تؤثر في النقاش العام بالحجة والبدائل.
وارتبط اسم بنعمور بمرحلة مفصلية في تاريخ الضبط الاقتصادي بالمغرب إثر تعيينه رئيسا لمجلس المنافسة سنة 2008. اصطدم سريعا بحدود مؤسسة ظلت محصورة في الطابع الاستشاري ومجردة من آليات التحرك الفعلية والتدخل المباشر.
حرك هذا الواقع عزيمته ليجعل من توسيع صلاحيات المجلس معركة مؤسساتية حقيقية. دافع بنعمور بشراسة عن تحويل الهيئة إلى سلطة قادرة ليس فقط على صياغة الآراء وإنجاز الدراسات، بل امتلاك سلطة القرار وفرض العقوبات وأدوات الزجر الميداني.
واكبت هذه المواجهة أول إصلاح جوهري للإطار القانوني للمنافسة عبر القانون رقم 20-13 المصادق عليه سنة 2014، والذي منح المجلس صلاحيات موسعة ومكنه من الإحالة الذاتية للملفات، وهو تحول رآه الفقيد شرطا لازما لنقل المؤسسة من دور استشاري باهت إلى سلطة ضبط قائمة الذات.
وبرحيل عبد العالي بنعمور، يطوي المغرب صفحة شخصية اقتصادية استثنائية، وصوتا وازن الدفاع عن أسواق منضبطة وحماية فعلية لقواعد التنافس الشريف.
