واحة فكيك: كيف تحول العادات المتوارثة جحيم الصيف إلى طقوس تعايش ممتعة؟

بيت تقليدي مقاوم للحرارة بواحة فكيك

في 14/06/2026 على الساعة 14:15

فيديوتمكن الإنسان الفجيجي من ابتكار منظومة متكاملة من الحلول المعمارية والاجتماعية والثقافية التي جعلت من الحرارة الكبيرة التي تعرفها واحة فكيك تحدي يمكن تدبيره والتعايش معه، وهو ما يعكس قدرته الفريدة على التكيف مع بيئته بذكاء وعبر أجيال متعاقبة.

وفي سياق تفاصيل الحياة اليومية والطقوس الجماعية، يبرز الطيب الجابري، الفاعل الجمعوي في مدينة فكيك، أنه مع بداية فصل الصيف، تنطلق حملات النظافة ورش الأزقة بالماء في محاولة لتخفيف درجات الحرارة وتحسين جودة العيش داخل القصور التاريخية.

ويضيف الجابري في تصريح له أن من أبرز المظاهر المرتبطة بالتأقلم مع الحر احتفال العنصرة أو الماء المبارك، وهو طقس متجذر في الذاكرة الجماعية للواحة ينظم في الرابع والعشرين من يونيو الفلاحي، حيث يجمع هذا التقليد بين أبعاد اجتماعية وروحية وبيئية تعكس ارتباط السكان بالماء عبر رش الأزقة والبساتين وزيارة العيون ومجاري المياه.

ويؤكد الفاعل الجمعوي نفسه أن الماء يمثل ركيزة محورية في نمط العيش الصيفي بالواحة، حيث يقضي الأطفال والشباب ساعات طويلة في العيون الطبيعية والصهاريج المنتشرة داخل المنازل والقصور، والتي يتجاوز عددها 300 صهريج، إذ تملأ بمياه العيون أو المياه الصالحة للشرب وتستعمل بمثابة مسابح تقليدية تخفف من وطأة الحر وتمنح السكان متنفس طبيعي خلال أشهر الصيف اللاهبة.

ويتابع الجابري بسط مظاهر التكيف الاجتماعي مشيرا إلى أن السكان يلجؤون في ساعات ما بعد الزوال إلى فضاءات خاصة داخل القصور تعرف باسم الجماعات، وهي أماكن صممت بطريقة تسمح بمرور الهواء وتلطيف الأجواء، فتتحول إلى ملاذ جماعي هادئ للهروب من حرارة النهار.

أما ليالي الصيف، يوضح المتحدث أن الأسر غالبا ما تقضيها فوق أسطح المنازل تحت السماء المفتوحة، حيث يوفر الهواء الليلي بديل طبيعي عن وسائل التبريد الحديثة، وتكتمل هذه المنظومة بأطباق موسمية تقليدية مثل الزنبوا والبركوكس والثريد، وهي وجبات ترتبط بنهاية الموسم الفلاحي وتعبر عن قدرة المجتمع على تدبير موارده الغذائية وفق إيقاع الطبيعة.

من جهة أخرى، وفيما يتعلق بالوعاء الهيكلي والعمراني الذي يحتضن هذه الأنشطة، يوضح إبراهيم منصاري، التقني المتخصص في البناء بالطين، أن البيت الفجيجي التقليدي لم يبن اعتباطا بل صيغ وفق فهم دقيق للمناخ المحلي، حيث يعتمد على تنظيم داخلي ذكي يتوسطه بهو مفتوح يعرف في المنطقة باسم السراي، وهو فضاء يسمح بدخول الضوء وتجديد الهواء بشكل طبيعي، تحيط به فضاءات مسقفة تسمى السواري توفر الظل وتحد من تأثير أشعة الشمس المباشرة.

ويضيف منصاري في تصريحه أن الغرف تفتح على هذا الفضاء الداخلي بينما تكون الجدران الخارجية شبه خالية من النوافذ لتقليص تسرب الحرارة إلى الداخل، مؤكدا أن سماكة الجدران المشيدة من الطين والحجر والجير وخشب النخيل، والتي تتراوح بين 50 و60 سنتيمتر، تساهم بشكل كبير في تحقيق العزل الحراري والحفاظ على البرودة صيفا والدفء شتاء.

ويشير التقني المتخصص إلى أن هذا الذكاء المعماري يمتد أيضا إلى تخطيط القصور والأحياء السكنية بالكامل، حيث يوضح المنصاري أن الأزقة الضيقة والمتقاربة توفر مساحات واسعة من الظل خلال ساعات النهار، في حين تم توجيه الأزقة الرئيسية من الشمال إلى الجنوب بطريقة هندسية تسمح بمسك واستقبال التيارات الهوائية الشمالية وتلطيف الأجواء داخل المجال العمراني لتقديم نموذج ملهم في ترشيد الطاقة والبناء المستدام.

تحرير من طرف محمد شلاي
في 14/06/2026 على الساعة 14:15