محمد ولد الرشيد.. مهندس النجاح الانتخابي لحزب الاستقلال في الصحراء ورجل السياسة الهادئة

محمد ولد الرشيد

محمد ولد الرشيد

في 25/09/2026 على الساعة 16:52

بورتريقليل الضجيج، كثير الفعل. هكذا تتشكل ملامح محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين وعضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، الذي برز اسمه خلال الاستحقاقات التشريعية الأخيرة باعتباره أحد أبرز مهندسي التعبئة السياسية والتنظيمية للحزب في الأقاليم الجنوبية، وأحد الوجوه الشابة التي تجمع بين العمل الحزبي والمسؤولية المؤسساتية والدبلوماسية البرلمانية.

لا يحتاج محمد ولد الرشيد إلى كثرة الظهور الإعلامي حتى يثبت حضوره في المشهد السياسي المغربي. فالرجل الذي يتولى رئاسة مجلس المستشارين، رابع مؤسسة في هرم الدولة، اختار أن يجعل من العمل الميداني والتدبير الهادئ والتواصل المباشر أدوات أساسية في مساره السياسي، بعيدا عن الضجيج والمزايدات.

وأعادت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر الجاري تسليط الضوء على هذا القيادي الاستقلالي الشاب، ليس فقط بحكم موقعه المؤسساتي، وإنما بالنظر إلى الدور التنظيمي الذي اضطلع به في تعبئة مناضلي الحزب وأنصاره بجهة العيون الساقية الحمراء.

فخلف المهرجانات الجماهيرية واللقاءات التواصلية التي شهدتها جهة الساقية الحمراء، برز محمد ولد الرشيد باعتباره أحد مهندسي هذه الدينامية، إلى جانب والده مولاي حمدي ولد الرشيد، أحد أبرز رموز حزب الاستقلال بالصحراء، والأمين العام للحزب نزار بركة.

ولعل ما يميز محمد ولد الرشيد في هذه المرحلة هو قدرته على الجمع بين حماسة الشباب وحكمة التجربة السياسية، وبين الانضباط التنظيمي والقدرة على الإنصات لمختلف الفئات، وهي خصال ساهمت في تعزيز مكانته داخل حزب الاستقلال، قبل أن تقوده إلى رئاسة مجلس المستشارين في أكتوبر 2024.

من تجمع 60 ألف مناضل إلى صناديق الاقتراع

شكل التجمع الجماهيري الذي نظمه حزب الاستقلال بمدينة العيون يوم 13 شتنبر الجاري محطة بارزة في المسار الانتخابي للحزب، بعدما استقطب أزيد من 60 ألف مناضل ومناصر، بحضور نزار بركة وحمدي ولد الرشيد ومحمد ولد الرشيد.

ولم يكن حضور رئيس مجلس المستشارين في منصة ذلك التجمع مجرد حضور بروتوكولي أو حزبي، بل جاء امتدادا لدوره في هندسة التعبئة التي سبقت الموعد الانتخابي، وتنسيق الجهود التنظيمية التي مكنت الحزب من استقطاب هذا الحضور الجماهيري.

وبعد عشرة أيام، حصل حزب الاستقلال على نحو 52 ألف صوت بمدينة العيون، في نتيجة أبرزت قدرة التنظيم الحزبي على تحويل التعبئة الجماهيرية إلى مشاركة انتخابية.

كما سجلت جهة العيون الساقية الحمراء نسبة مشاركة بلغت 77 في المائة، مقابل 61 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب و53,48 في المائة بجهة كلميم واد نون، بينما استقر المعدل الوطني عند 38,08 في المائة.

وتكشف هذه الأرقام عن خصوصية التعبئة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية، كما تعيد إبراز الدور الذي اضطلع به محمد ولد الرشيد وبقية القيادات الاستقلالية في الإعداد التنظيمي والسياسي لهذا الاستحقاق.

ولم يكن تجمع العيون بعيدا عن النقاش السياسي المرتبط بقضية الصحراء، إذ أثار ردود فعل من جبهة البوليساريو، التي هاجمت الانتخابات وشككت في أرقام المشاركة.

وفي مقابل ادعاءات الجبهة بشأن تمثيل الصحراويين، قدم حزب الاستقلال من خلال تجمعه الجماهيري ونتائجه الانتخابية نموذجا للمشاركة السياسية عبر المؤسسات المنتخبة.

وهنا تبرز أهمية الدور الذي اضطلع به محمد ولد الرشيد، باعتباره أحد صناع التعبئة التي ربطت بين الحضور الجماهيري والمشاركة في صناديق الاقتراع، في سياق النقاش حول تنزيل مبادرة الحكم الذاتي.

ابن المدرسة الاستقلالية.. حكمة الشيوخ وحماس الشباب

لم يأت محمد ولد الرشيد إلى المشهد السياسي من فراغ. فهو نجل حمدي ولد الرشيد، أحد أبرز الوجوه الاستقلالية بالصحراء المغربية، غير أن مساره لم يقتصر على الامتداد العائلي، بل تبلور من خلال مسؤولياته الحزبية والمؤسساتية.

ويجمع في شخصيته السياسية بين الانتماء إلى مدرسة استقلالية عريقة والقدرة على مخاطبة الأجيال الجديدة، خصوصا شباب الأقاليم الجنوبية، الذين يشكلون محورا أساسيا في العمل التنظيمي للحزب.

ويبدو هذا التوازن حاضرا في أسلوبه السياسي؛ فهو لا يميل إلى الخطابات الصاخبة، بقدر ما يراهن على العمل المتواصل وتقريب وجهات النظر وتدبير الاختلافات.

ولعل وصوله إلى رئاسة مجلس المستشارين يعكس مسارا انتقل فيه من العمل الحزبي إلى تحمل مسؤولية مؤسساتية وطنية، دون أن ينقطع ارتباطه بالتنظيم الاستقلالي وقواعده.

مهندس التوافقات.. من الحزب إلى المركزية النقابية

لا يقتصر دور محمد ولد الرشيد على التعبئة الانتخابية، بل يمتد إلى تدبير الملفات التنظيمية التي تتطلب التفاوض وتقريب وجهات النظر.

وبرز هذا الدور خلال الجمع العام الاستثنائي للاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذي انعقد بمدينة سلا، وأسفر عن انتخاب يوسف علاكوش كاتبا عاما للمركزية النقابية، بإجماع الحاضرين.

ووفق مصادر حضرت الجمع العام، فإن محمد ولد الرشيد، إلى جانب نزار بركة، اضطلع بدور مهم في تقريب وجهات النظر وتسهيل تدبير مختلف مراحل هذا الاستحقاق التنظيمي.

ونوه يوسف علاكوش ومختلف الحاضرين بالمجهودات التي بذلها الرجلان، والتي ساهمت في الحفاظ على وحدة الصف داخل المركزية النقابية وتعزيز استقرارها التنظيمي.

وتكشف هذه المحطة وجها آخر من شخصية محمد ولد الرشيد، باعتباره قياديا لا يحصر العمل السياسي في المنافسة الانتخابية، بل يمنح أهمية لبناء التوافقات وتدبير التوازنات داخل التنظيمات المرتبطة بالفضاء الاستقلالي.

إنها السياسة التي لا تصنعها المنصات وحدها، وإنما تنضج أيضا داخل الاجتماعات المغلقة، حيث تتطلب النتائج صبرا وقدرة على الإنصات وإيجاد أرضيات مشتركة.

من هندسة التعبئة الانتخابية إلى الدبلوماسية البرلمانية

إذا كانت الانتخابات الأخيرة قد أبرزت محمد ولد الرشيد باعتباره فاعلا تنظيميا في الصحراء، فإن رئاسته لمجلس المستشارين فتحت أمامه مجالا أوسع للعمل السياسي والمؤسساتي، من خلال الدبلوماسية البرلمانية.

فمنذ توليه رئاسة المجلس في أكتوبر 2024، انخرط في دينامية دبلوماسية تقوم على توسيع الشراكات البرلمانية وتعزيز الحضور المغربي في المحافل الإقليمية والدولية، انسجاما مع التوجيهات الملكية.

وشكل انتخابه رئيسا لجمعية مجالس الشيوخ الإفريقية محطة بارزة في هذا المسار، بالنظر إلى أهمية القارة الإفريقية في السياسة الخارجية للمملكة.

وفي هذا المجال، يبرز محمد ولد الرشيد باعتباره فاعلا يجمع بين الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب والانفتاح على الشراكات الجديدة، مع إعطاء مكانة مركزية لقضية الوحدة الترابية.

ولا ينحصر تحركه في إفريقيا، بل يمتد إلى أمريكا اللاتينية والكاريبي، حيث يقود مجلس المستشارين دينامية متواصلة لتعزيز العلاقات مع المؤسسات البرلمانية الإقليمية.

وفي هذا السياق، عقد لقاء مشتركا مع رئيس برلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي، رولاندو باتريسيو غونزاليز، ورئيس برلمان المركوسور، رودريغو غامارا، خُصص لبحث سبل تطوير التعاون البرلماني وتنزيل الإعلان المشترك المتعلق بإنشاء المنتدى البرلماني الاقتصادي المغرب–أمريكا اللاتينية والكاريبي.

وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى سعيها لإرساء فضاء مؤسساتي دائم للحوار البرلماني البين-إقليمي، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين المغرب وبلدان أمريكا اللاتينية والكاريبي.

وهكذا، تتجاوز الدبلوماسية البرلمانية في عهد ولد الرشيد حدود اللقاءات البروتوكولية، لتشمل بناء جسور التعاون الاقتصادي وتعزيز موقع المغرب باعتباره حلقة وصل بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

رجل المرحلة.. من التعبئة إلى رهانات الحكم الذاتي

تكتسب هذه الأدوار أهمية إضافية في ضوء المرحلة السياسية المرتبطة بقضية الصحراء، خصوصا بعد القرار الأممي 2797 والنقاش المتواصل بشأن تنزيل مبادرة الحكم الذاتي.

فمحمد ولد الرشيد يجمع بين موقعين متكاملين: قيادة حزبية تنشط ميدانيا في الأقاليم الجنوبية، ومسؤولية مؤسساتية تتيح له المساهمة في الدفاع عن المصالح المغربية عبر الدبلوماسية البرلمانية.

وفي هذا التقاطع بين المحلي والوطني والدولي، تتضح خصوصية مساره السياسي. فهو ابن الصحراء الذي يشتغل على التعبئة السياسية داخلها، ورئيس مجلس المستشارين الذي يمد جسور التواصل مع برلمانات إفريقيا وأمريكا اللاتينية، والقيادي الاستقلالي الذي يساهم في تدبير التوازنات التنظيمية داخل حزبه ومحيطه النقابي.

وأعادت النتائج الانتخابية الأخيرة طرح سؤال الدور الذي يمكن أن يضطلع به حزب الاستقلال في المرحلة المقبلة، خصوصا بعدما أكد نزار بركة خلال تجمع العيون أن «الحكومة المقبلة ستكون حكومة تنزيل الحكم الذاتي».

وفي هذا السياق، يبرز محمد ولد الرشيد ضمن القيادات التي تجمع بين المعرفة الميدانية بخصوصيات الأقاليم الجنوبية والخبرة المؤسساتية والعلاقات البرلمانية الدولية.

إنه رجل لا يساوم على الثوابت، ولا يلتفت إلى الضجيج، يمضي بثبات، ويصول ويجول بثقة، حاملا في كل محطة رسالة واحدة: المغرب حاضر، بمشروعيته، وبقضيته، وبإرادته التي لا تلين.

وبين منصة العيون التي احتضنت أزيد من 60 ألف مناضل، وصناديق الاقتراع التي منحت حزب الاستقلال نحو 52 ألف صوت، وقاعات الدبلوماسية البرلمانية الممتدة من إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، تتشكل ملامح محمد ولد الرشيد: سياسي قليل الكلام، كثير العمل، يجعل من النتائج عنوانا لحضوره، ومن العمل الهادئ أسلوبا في ممارسة المسؤولية.

تحرير من طرف هيئة التحرير
في 25/09/2026 على الساعة 16:52