المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان يكتب: فخ المحروقات يُطبق بلا هوادة على الجزائر

Bernard Lugan.

المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان

في 25/03/2025 على الساعة 12:00

مقال رأيتشكل التبعية للمحروقات تهديدا وجوديا للجزائر، حيث إن اقتصادها مرهون بتقلبات أسعار النفط والغاز. ومع استمرار احتكار الإنتاج من المحروقات، فإن الكميات القابلة للتصدير ستنخفض تلقائيا بسبب تزايد الاستهلاك الداخلي والنضوب التدريجي للحقول النفطية، مما يضع الجزائر، التي لا تنتج أي شيء آخر، في مأزق اقتصادي خطير.


يعتمد الاقتصاد الجزائري بشكل شبه كامل على المحروقات (النفط والغاز)، حيث توفر هذه الموارد بين 95% و98% من إجمالي الصادرات، وهي تقريبا المصدر الوحيد للعملة الصعبة في البلاد، كما تشكل نحو 75% من إيرادات الميزانية. هذه التبعية تضع الاقتصاد الجزائري تحت رحمة تقلبات أسعار النفط والغاز، وهو وضع كان يمكن تفاديه، لكنه جاء نتيجة خيارات سياسية كارثية قائمة على السهولة والاتكال على الريع. لم تستخلص الجزائر العبرة من الأزمات الاقتصادية في 1986 و1990 و1994، إذ لم تقم بتنويع اقتصادها إلا بشكل هامشي، مفضلة الاستمرار في الاعتماد على مداخيل النفط بدلا من تبني رؤية مستقبلية. لكن هذه « الراحة الريعية » تحمل في طياتها مآسي، كما حذر سيد أحمد غزالي، الوزير الأسبق والمدير العام السابق لشركة « سوناطراك »، قبل عشر سنوات عندما قال:

« أخشى حدوث انهيار، وهو أمر لا مفر منه (...) بعد 53 عاما من الاستقلال، تعيش الجزائر على ثروة قابلة للنضوب وغير متجددة، وهي ليست من صنعها. الجزائر من بين الدول القليلة، إن لم تكن الوحيدة، التي تعيش في هذه الهشاشة الخطيرة: 99% من وارداتنا، بما في ذلك القمح الذي نستهلكه يوميا، يتم تمويلها من عائدات المحروقات! من المسؤول عن هذا الوضع؟ إنه نظام متكئ على اقتصاد الريع. » (تصريح لجريدة « الوطن » بتاريخ 28 سبتمبر 2015).

في ظل استمرار احتكار إنتاج المحروقات، وانخفاض الكميات القابلة للتصدير بسبب زيادة الاستهلاك الداخلي واستنزاف الحقول، تجد الجزائر نفسها في طريق مسدود. فكيف يمكنها تلبية الاحتياجات الأساسية لسكانها، الذين يتزايد عددهم بسرعة، في حين أن العائدات ستتراجع؟

هذا هو التحدي الأكبر في العقود القادمة، حيث سيواجه المسؤولون المستقبليون الإفلاس الذي خلفه أولئك الذين حكموا الجزائر منذ 1962.

أي مقاربة واقعية للوضع تستلزم عرض الأرقام.

1) أرقام النفط

في عام 2023، كانت الجزائر تمتلك 1.4% من الإنتاج النفطي العالمي، واحتياطاتها تُقدر بين 10 و12 مليار برميل. وخلال الربع الأول من عام 2024، كانت فرنسا أبرز مستوردي النفط الجزائري بمتوسط 68.8 ألف برميل يوميا، مقابل 61.4 ألف برميل يوميا قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا، وهو ما يمثل حوالي 8% من الاستهلاك الفرنسي. أما إيطاليا، فقد استوردت 55.9 ألف برميل يوميًا، مقارنة بـ48.8 ألف برميل يوميا خلال الفترة نفسها، في حين استوردت هولندا 44.5 ألف برميل يوميا، مقارنة بـ20.3 ألف برميل يوميًا خلال الفترة نفسها من عام 2023 (بحسب أرقام وزارة الطاقة والمناجم الجزائرية، 11 مارس 2024).

لكن، في حال لم يتم تنفيذ سياسة طاقة جديدة وسريعة، فإن الاستهلاك الداخلي للنفط سيمثل 80% من إجمالي الإنتاج بحلول عام 2030 (وفقا لوزارة الطاقة والمناجم الجزائرية، 11 مارس 2024)، مما سيؤدي إلى ضربة قاصمة لقدرة الجزائر على التصدير. ويرجع ارتفاع الاستهلاك المحلي إلى سياسة دعم المنتجات الطاقية للمواطنين.

2) أرقام الغاز

تنتج الجزائر حوالي 130 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، من أصل إنتاج عالمي يبلغ 3850 مليار متر مكعب، أي ما يعادل 2.4% من الإنتاج العالمي. ونظرا لأن الاستهلاك الداخلي يشكل نحو 54% من إجمالي الإنتاج الوطني، أي حوالي 63 مليار متر مكعب، بالإضافة إلى أن عمليات الحرق (الغاز المشتعل خلال الاستخراج) تُهدر نحو 20 مليار متر مكعب، فإن الجزائر لا تمتلك فعليا سوى 40 إلى 50 مليار متر مكعب للتصدير.

في عام 2024، صدّرت الجزائر 48.7 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، منها أكثر من 40 مليار متر مكعب إلى السوق الأوروبية. وعلى سبيل المقارنة، تستورد دول الاتحاد الأوروبي نحو 520 مليار متر مكعب سنويا، ما يعني أن حصة الجزائر لا تتجاوز 8% من إجمالي الاستهلاك الأوروبي، وهو رقم ضئيل جدا.

لذلك، تحتاج الجزائر إلى زيادة إنتاجها بشكل ملحّ إذا أرادت الحفاظ على حصتها في السوق الأوروبية، التي تُعتبر عميلها الأساسي، خاصة بعد أن تخلت أوروبا طواعية عن الغاز الروسي.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الطاقة والمناجم الجزائري، محمد عرقاب، عن اكتشافات « هامة » للغاز في مناطق بشار، عين صالح، جانت، إليزي، وورقلة، والتي من المتوقع أن ترفع الإنتاج إلى 200 مليار متر مكعب « على المدى المتوسط »، بدلا من 130 مليارا حاليا. لكن حتى لو تحققت هذه التوقعات، فإن 70 مليار متر مكعب إضافية سيتم إنتاجها، وسيُخصص ثلثها على الأقل للاستهلاك المحلي، مما يعني أن الكمية الإضافية القابلة للتصدير لن تتجاوز 50 مليار متر مكعب. وعليه، فإن إجمالي الصادرات سيصل إلى حوالي 80 إلى 90 مليار متر مكعب فقط، وهو رقم لا يزال هامشيا مقارنة باحتياجات السوق الأوروبية التي تستورد 520 مليار متر مكعب سنويا (بحسب أرقام عام 2023).

تحرير من طرف برنارد لوغان
في 25/03/2025 على الساعة 12:00

مرحبا بكم في فضاء التعليق

نريد مساحة للنقاش والتبادل والحوار. من أجل تحسين جودة التبادلات بموجب مقالاتنا، بالإضافة إلى تجربة مساهمتك، ندعوك لمراجعة قواعد الاستخدام الخاصة بنا.

اقرأ ميثاقنا

تعليقاتكم

0/800