بنطلحة الدكالي: رسالة إلى إسبانيا

محمد بنطلحة الدكالي

في 09/10/2026 على الساعة 22:33

مقال رأيوجه ملك البلاد، في خطابه السامي إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية، رسالة واضحة إلى الجار الإسباني، مبينا أن النموذج الحالي للشراكة بين البلدين أصبح متجاوزا، وأن الأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك، في ظل تحديات كبيرة مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، ناهيك عن التصريحات غير المسؤولة والاستغلال المفضوح لبعض الأوساط السياسية والإعلامية، مذكرا بوضوح وصرامة بأن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز.

فعلا، لقد شهدت إسبانيا، خلال الفترة الأخيرة، تصعيدا لافتا في الخطاب السياسي تجاه المغرب بعد الأحداث التي عرفتها سبتة في نهاية يوليوز، حين حاول عشرات الآلاف من المهاجرين الوصول إلى المدينة في موجة جماعية غير مسبوقة.

وتحولت الأزمة سريعا من ملف أمني متعلق بالهجرة إلى أزمة سياسية ودبلوماسية اتسع نطاقها تدريجيا، وامتدت تداعياتها إلى البرلمان الإسباني والمؤسسات الأوروبية والعلاقات الرسمية بين البلدين.

ولم يأت هذا الموقف من فراغ. فقد رفع الحزب الشعبي لهجته تدريجيا، ووصل ألبرتو نونييث فيخو إلى الحديث عن احتمال تعرض إسبانيا لـ«غزو» وعن استخدام القوات المسلحة لتحصين الحدود في ظروف مماثلة، بينما ذهب حزب Vox إلى المطالبة بتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار، واستعمل تعبيرات من قبيل «الحرب الهجينة» و«الغزو الترابي»، وسعى إلى نقل هذه القراءة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي. ولم تقتصر الانتقادات على اليمين، إذ صدرت عن قوى في اليسار أيضا مواقف تحمل السلطات المغربية قدرا من المسؤولية وتطالب بإعادة النظر في جوانب من العلاقة مع الرباط.

وامتد هذا المناخ إلى الشارع والميدان الرياضي. فقد شهدت مدن إسبانية مظاهرات رفعت خلالها بكثافة الأعلام الإسبانية وشعارات تتحدث عن «الغزو»، وسجلت في سبتة محاولات للاعتداء على مهاجرين. ووصل صدى الأزمة إلى كرة القدم، إذ رفعت في ملعب سانتياغو برنابيو أعلام إسبانية وأعلام سبتة، ورددت جماهير شعار: «سبتة لا تباع، بل يدافع عنها»، فيما شهد محيط الملعب إحراق أعلام مغربية وهتافات عنصرية ومعادية للمسلمين من طرف مجموعات من الألتراس. وهي مشاهد تعكس انتقال الاحتقان السياسي إلى الشارع واتخاذه أحيانا طابعا عدائيا تجاه المغرب.

غير أن الاتهامات الموجهة إلى المغرب لا تستند إلى معطيات صلبة أو وقائع موثوقة، وتبدو أقرب إلى ادعاءات سياسية تغذيها المزايدات الحزبية والحملات الإعلامية، في محاولة لتحميل السلطات المغربية مسؤولية أحداث ما زالت ملابساتها في حاجة إلى توضيح. وفي المقابل، أعلن المغرب رسميا استعداده لإعادة استقبال المهاجرين غير النظاميين، وطالب بإعادة القاصرين غير المصحوبين إلى أسرهم، متسائلا عن أسباب عدم إعادتهم رغم هذا الالتزام.

وهكذا أصبحت العلاقة مع المغرب موضوعا للمزايدات بين أطراف سياسية متباينة، لكل منها حساباتها وأهدافها الخاصة. فالمعارضة اليمينية تسعى إلى إحراج حكومة سانشيز وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية الحدود والمصالح الإسبانية، فيما تستحضر قوى على يسار الاشتراكيين قضية الصحراء للضغط على الحكومة من اتجاه آخر. ويضيف أثنار ثقله السياسي داخل اليمين إلى الدعوات المطالبة بسياسة أكثر حزما تجاه الرباط.

وتكشف هذه التجاذبات عن إشكالية أعمق تتعلق بمكانة المغرب في الرؤية السياسية والاستراتيجية الإسبانية، ومدى قدرة الفاعلين السياسيين على التمييز بين الحسابات الانتخابية الظرفية والمصالح الدائمة للدولة. فحين تتحول العلاقة مع جار استراتيجي إلى أداة في الصراع الحزبي، تصبح المصالح المشتركة عرضة للتقلبات السياسية، وتتراجع القدرة على استشراف عواقب الأزمات وإدارتها في إطار رؤية بعيدة المدى.

ومن هنا تكتسب عبارة «العمى الاستراتيجي»، التي ختمت بها وزارة الخارجية المغربية بلاغها بشأن الأزمة، دلالتها العميقة. فالحكومات والأغلبيات تتغير، بينما تبقى الجغرافيا والمصالح المشتركة. والعمل الاستراتيجي يقتضي النظر إلى العلاقة مع المغرب في امتدادها الأوسع، وإدارة الخلافات دون أن تتحول إلى قطيعة أو تهدم ما راكمه البلدان من تعاون. فالمغرب وإسبانيا محكومان بالجوار، والرهان الحقيقي هو تحويل هذا الجوار إلى رصيد يخدم مصالح البلدين على المدى البعيد.

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي
في 09/10/2026 على الساعة 22:33