في كنف المقاومة: حين تصبح الذاكرة العائلية مدرسة سياسية
رأى عمر حجيرة النور بمدينة وجدة سنة 1967 داخل بيت كان شاهدا على صناعة القرارات الحاسمة في تاريخ المقاومة المغربية. والده هو الراحل عبد الرحمن حجيرة، القيادي الاستقلالي وأحد أبرز رموز الحركة الوطنية بالجهة الشرقية، وقائد انتفاضة 16 غشت 1953 الخالدة التي شكلت شرارة الكفاح المسلح في وجه الاستعمار الفرنسي تمهيدا لعودة الملك محمد الخامس من المنفى.
وفي هذا الفضاء المفعم بروح التضحية، رضع الابن مبادئ حزب الاستقلال منذ نعومة أظفاره وتشبع بالأطروحات التعادلية لزعيم التحرير علال الفاسي. وتحول هذا الرصيد الرمزي مع توالي السنين من مجرد انتماء عائلي إلى التزام تنظيمي صارم رافق كل محطاته في العمل الحزبي والتدبير العمومي.
صيدلة الممارسة: من مختبرات العلوم إلى معترك الشأن العام
اختار حجيرة في مستهل حياته الأكاديمية مسلكا علميا دقيقا، حيث توجه إلى بولندا ونجح سنة 1993 في نيل شهادة الدكتوراه في الصيدلة من جامعة سيليزيا الطبية بمدينة كاتوفيتشي. وقد منحه هذا التكوين العلمي صرامة منهجية في التحليل وتشخيص المشكلات المعقدة بدقة الصيدلي الذي يحسب مقادير الدواء بميزان حساس.
وعقب عودته إلى أرض الوطن، وظف هذا التكوين العلمي في فهم قضايا التنمية، لينتقل بهدوء من فضاء الصيدلة إلى فضاء الممارسة السياسية والانتدابية، واضعا مهارات التدبير في خدمة قضايا المجتمع.
مدرسة وجدة: اثنا عشر عاما في تدبير المدينة الألفية
شكلت مدينة وجدة المختبر الميداني الأبرز لصقل مهارات عمر حجيرة القيادية، حيث وضعته ساكنة المدينة على رأس مجلسها الجماعي لفترتين متتاليتين امتدتا من سنة 2009 إلى 2021. وكانت تلك المرحلة كفيلة باحتكاكه المباشر بيوميات المواطنين، ومواجهة إكراهات البنية التحتية، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها خصوصية المنطقة الحدودية.
وعزز هذا الحضور المحلي بانتخابه سنة 2021 نائبا أول لرئيس مجلس جهة الشرق. وأتاح له هذا الموقع الإشراف على مشاريع تنموية استراتيجية ذات بعد جهوي، وتنسيق الأولويات الاستثمارية بين مختلف الجماعات الترابية، وتعميق معرفته بحاجيات النسيج الاقتصادي المحلي.
في أروقة البرلمان: مهندس التوافقات والدبلوماسية الموازية
بالموازاة مع مساره الترابي، بصم حجيرة على حضور برلماني لافت نال خلاله ثقة ناخبي دائرة وجدة عبر أربع ولايات تشريعية متواصلة منذ سنة 2007. ومكنه هذا الاستقرار النيابي من استيعاب عميق لدواليب التشريع وميكانيزمات الرقابة على العمل الحكومي والترافع حول الملفات الاقتصادية الحساسة.
وبلغ هذا المسار ذروته التنظيمية في ماي 2024 بانتخابه رئيسا للفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، ثم توليه مهمة التنسيق بين فرق ومجموعات الأغلبية البرلمانية. وهو المنصب الذي برهن فيه على حنكة تفاوضية عالية وقدرة مشهودة على تقريب وجهات النظر وتأمين التماسك التشريعي للتحالف الحكومي.
ولم ينحصر إشعاعه النيابي داخل الحدود الوطنية، بل خاض تجارب دبلوماسية برلمانية ثرية عبر عضويته باللجنة البرلمانية المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي بين 2010 و2015، إلى جانب انخراطه النشيط في الاتحاد البرلماني الدولي منذ سنة 2021، ما أكسبه دراية واسعة بأساليب الحوار والتفاوض الاقتصادي الدولي.
رهان التجارة الخارجية: ترسيخ علامة «صنع في المغرب» عالميا
عقب التجربة التي دشنها في 23 أكتوبر 2024 ككاتب دولة، يأتي تثبيته في حكومة المنصوري وزيرا منتدبا مكلفا بالتجارة الخارجية ليعكس الثقة في قدرته على قيادة هذا القطاع الحيوي.
وتنتظر حجيرة ملفات استراتيجية كبرى تتصل بتعزيز السيادة الاقتصادية للمملكة، وتوسيع وتنويع الشراكات التجارية نحو إفريقيا والأسواق الواعدة، ودعم تنافسية المقاولات الوطنية في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية وسلاسل التوريد.
يدخل ابن وجدة هذه المسؤولية متسلحا بتوازن يجمع بين شرعية الإرث الوطني، ومرونة المفاوض البرلماني، وخبرة المدبر الترابي؛ في رهان حقيقي على تحويل لغة الاتفاقيات التجارية الدولية إلى فرص شغل حقيقية وقيمة مضافة تدعم موقع المغرب كمنصة تصدير رائدة قاريا ودوليا.
