صلاح الدين عبقري.. تشريح الصعود الهادئ لمهندس الأرقام في عقر دار السياسة

صلاح الدين عبقري، الوزير المنتدب المكلف بالشباب

في 16/10/2026 على الساعة 20:30

بورتريلم يكن جلوس صلاح الدين عبقري على مقعد الوزير المنتدب المكلف بالشباب نتاج ضربة حظ ولا وليد تسوية حزبية مرتجلة؛ بل جاء تتويجا لمسار مدروس يعكس تحولا عميقا في نمط تشكل النخب الحاكمة في المغرب. فابن الرباط المولود في مارس 1994 يقدم نموذجا مختلفا للجيل السياسي الصاعد: بروفايل يجمع بين جينات السياسي الميداني وعقل التكنوقراط الصارم، متكئا على خبرة انتزعت من كواليس وزارات السيادة، وشرعية حزبية نالها بالإجماع، وخلفية تدبيرية تجيد قراءة الميزانيات بنفس كفاءتها في قراءة موازين القوى.

انطلق مسار عبقري من العاصمة الرباط حيث أكمل تعليمه المدرسي، لكن البناء الحقيقي لشخصيته القيادية بدأ حين غادر نحو الشمال ليلتحق بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بطنجة. وهناك، في كبريات مدارس التدبير، لم يختر عبقري تخصصا استعراضيا، بل فضل الغوص في صلب التسيير الدقيق عبر التدقيق ومراقبة التسيير.

وقد منح هذا التكوين الشاب عقلية لا ترى في السياسات العمومية مجرد شعارات، بل مصفوفات من الأرقام، وهوامش للأداء، وتدقيقا صارما في النفقات والنجاعة.

ولأن الطموح الأكاديمي لم ينفصل يوما عن هاجس التنمية الترابية، قرر خوض غمار البحث العلمي بتسجيل أطروحة الدكتوراه في الحكامة الترابية، واضعا مسألة تقليص الفوارق المجالية والعدالة الجغرافية في قلب أبحاثه النظرية وتطبيقاته العملية.

من خلايا طنجة إلى المكتب السياسي: شرعية التدرج الصامت

خلافا للعديد من أبناء جيله الذين صعدوا عبر المصاعد السياسية السريعة، بنى عبقري حضوره الحزبي خطوة بخطوة. فقد شهدت سنة 2012 انطلاق معمودية النار الطلابية من مدرجات جامعة طنجة، حيث بدأ نشاطه كإطار طالبي يسهم في بناء تنظيمات الجامعة بتأطير وتوجيه من قيادات حزب الأصالة والمعاصرة بجهة الشمال، رابطا مستقبله بمشروع الحزب في مرحلة كانت تشهد مخاضا سياسيا عسيرا.

وتكرس هذا المسار في سنة 2013 بانضمامه الرسمي إلى صفوف حزب الجرار، ليبدأ التدرج في هياكله المحلية والجهوية، والمشاركة الفعالة في تنظيم الجامعات الشبيبية وتأطير شباب الأحياء والهوامش.

وقد أثمر هذا العقد الكامل من التراكم الحزبي تتويجا مستحقا في 27 سبتمبر 2025، حين نال إجماع المؤتمرين في المؤتمر الوطني الثاني المنعقد ببوزنيقة رئيسا جديدا لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة.

ولم يكن هذا الانتخاب مجرد صعود شبيبي عابر، بل فتح له هذا الإجماع التنظيمي، وبقوة القانون الأساسي للحزب، مقعدا ثابتا داخل المكتب السياسي، ليتحول الشاب الثلاثيني من مناضل في الشبيبة إلى شريك مباشر في صياغة قرارات الحزب الكبرى والدخول إلى النادي الضيق للسلطة الحزبية.

مدرسة الإدارة الصلبة: بصمات في الداخلية والمالية والثقافة

قبل أن تسلط عليه أضواء العمل الوزاري، بنى صلاح الدين عبقري مجده التدبيري في الظل؛ فبعد اجتيازه مباراة التوظيف كمتصرف بوزارة الداخلية بتفوق جعله في مقدمة الناجحين، خاض تجارب نوعية داخل مفاصل الإدارة العمومية. فقد كلف داخل أم الوزارات بتتبع وتقييم مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ما أتاح له تشريح الفقر الميداني، ومعرفة أين تتعثر الاستثمارات العمومية، وكيف تبنى المشاريع التنموية الحقيقية في العمق المغربي.

وعقب ذلك، انتقل إلى وزارة الاقتصاد والمالية ليشتغل إطارا مكلفا بالمالية المحلية، حيث تخصص في تفكيك ميزانيات الجماعات الترابية، وفهم آليات الجبايات، وتحويل الاعتمادات المالية، وهو الرصيد الذي جعل منه مفاوضا إداريا خبيرا بخبايا المساطر.

وتوجت هذه الدينامية بالتحاقه سنة 2021 بديوان وزير الشباب والثقافة والتواصل مستشارا سياسيا، وسرعان ما تحول إلى عمود فقري داخل القطاع؛ إذ أدار مديرية الشؤون الإدارية والمالية بكفاءة فرضت عصرنة أساليب التسيير وترشيد نفقات القطاع، قبل أن ينال تكليفا رسميا لشغل منصب الكاتب العام بالنيابة لقطاع الثقافة، ليمارس القيادة التنفيذية المباشرة على المصالح المركزية واللاممركزة، مراكما خبرة رجال الدولة في إدارة الملفات المعقدة.

مواجهة قضايا الجيل: حين يقود الشاب قطاع الشباب

يصل صلاح الدين عبقري إلى قيادة قطاع الشباب محصنا بثلاثية نادرة تجمع بين عقلية المدقق المالي، وتجربة رجل الداخلية، وشعبية القائد الشبيبي؛ إلى جانب كونه رب أسرة وأبا لطفلة تبلغ من العمر سنتين، ما يمنحه توازنا إنسانيا يربطه مباشرة بتحديات الأسر الشابة وتطلعاتها اليومية.

ولا تمثل حقيبة الشباب بالنسبة لعبقري منصبا بروتوكوليا، بل هي اختبار حقيقي لقدرة التكنو-سياسي على تحويل انتظارات الشباب في التشغيل، والتمكين الرقمي، والمشاركة السياسية إلى برامج قابلة للقياس والتنفيذ.

إنه انتقال صريح من مرحلة إعداد التقارير المالية ومذكرات الرقابة، إلى مرحلة التوقيع على القرارات المصيرية وصناعة الأمل لجيل يبحث عن صوته داخل مؤسسات الدولة.

تحرير من طرف محمد لمريخي
في 16/10/2026 على الساعة 20:30