جينات الحكم ونشأة بين القانون والسلطة
في 3 يناير 1976، رأت فاطمة الزهراء المنصوري النور في مراكش، متصلة بجذور عائلية وقبلية ممتدة في منطقة «الرحامنة». نشأت في بيئة مشبعة بثقافة الدولة وهيبة المرفق العام؛ فوالدها الراحل عبد الرحمن المنصوري كان شخصية وازنة جمعت بين القضاء والمحاماة والسلطة، حيث شغل منصب باشا مراكش لثماني سنوات، ونقيبا لهيئتها، قبل أن يختم مساره سفيرا للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة حتى رحيله سنة 2009.
هذا المحيط المطبوع برائحة الملفات القضائية والمداولات القانونية صاغ مبكرا شخصية «بنت الباشا».
ألفت ارتياد قاعات المحاكم ومتابعة جلسات الترافع منذ طفولتها، ما شحذ حسّها النقدي ووعيها بدهاليز الشأن العام قبل أن تلج معتركه بسنوات طويلة.
فاطمة الزهراء المنصوري. DR
من مدارس البعثة إلى قانون الأعمال الدولي
تلقت تعليمها الأساسي والثانوي في مدارس البعثة الفرنسية بمراكش حتى حازت شهادة البكالوريا من ثانوية «فيكتور هوغو» سنة 1994. اتجهت إثرها إلى العاصمة الرباط لتحصل على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس سنة 1998.
واصلت تكوينها الأكاديمي في فرنسا، فنالت دبلوم الدراسات المعمقة في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه عام 1999، ثم صقلت تكوينها بدراسة قانون الأعمال بالنمط الأنجلوسكسوني في جامعة نيويورك سنة 2000.
وفي 22 مارس 2005، قيدت رسميا بهيئة المحامين بمراكش، وأطلقت مكتبا للمحاماة ركز على النزاعات التجارية، والمعاملات العقارية، ومواكبة المقاولات. وبالموازاة مع مكتبها، انخرطت في العمل الجمعوي؛ فترأست «جمعية طلبة القانون الفرنسي»، وقادت جمعية «مونية» لصيانة التراث والذاكرة المعمارية لمراكش.
صانعة التوازنات في بيت «الجرار»
التحقت بالحقل الحزبي سنة 2008 مع ولادة «حركة لكل الديمقراطيين»، لتصبح واحدة من القيادات المؤسسة لحزب «الأصالة والمعاصرة». تدرجت في مفاصله التنظيمية بثبات ملحوظ، وترأست مجلسه الوطني لولايات متعددة، حيث اشتهرت بقدرتها العالية على نسج التوافقات ونزع فتيل الخلافات الداخلية في المنعطفات الصعبة.
تميزت المنصوري بلغة سياسية حاسمة وخطاب مباشر يبتعد عن المجاملة ويفضل المعالجة الواقعية، وهو الأسلوب الذي كرس ثقلها الداخلي، وقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب ببوزنيقة في فبراير 2024 إلى اختيارها منسقة وطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة والممثلة الرسمية للحزب أمام المؤسسات الدستورية.
اختبار التدبير الترابي ومحك الحقيبة الوزارية
بدأ الاحتكاك الميداني الحقيقي للمنصوري مبكرا؛ ففي سنة 2009، صعدت إلى صدارة المشهد المحلي بانتخابها عمدة لمدينة مراكش في سن الثالثة والثلاثين، كأصغر امرأة تدير شؤون حاضرة كبرى بالمملكة حتى عام 2015، قبل أن يجدد ناخبو المدينة الثقة فيها لتعود إلى عموديتها عقب انتخابات 2021.
برلمانيا، رسخت امتدادها التمثيلي بالظفر بمقعد بمجلس النواب عن دائرة «المدينة - سيدي يوسف بن علي» لثلاث ولايات تشريعية متتالية (2011 و2016 و2021).
إقرأ أيضا : أول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب.. فاطمة الزهراء المنصوري وسر الصعود إلى واجهة السلطة
وفي 7 أكتوبر 2021، دخلت المعترك التنفيذي بتعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. وخلال هذه المرحلة، تولت إدارة ملفات شائكة وأوراش ذات طابع اجتماعي استراتيجي؛ أبرزها:
- تنزيل برنامج الدعم المباشر للسكن: بهدف تسهيل تملك الأسر المغربية للوحدات السكنية.
- تبسيط مساطر البناء في العالم القروي: لفك العزلة وتيسير التراخيص للساكنة القروية.
- إعادة إعمار مناطق زلزال الحوز: التنسيق الميداني لإعادة إيواء المتضررين وبناء ما دمرته الكارثة الطبيعية.
هذا المزيج بين الانتماء لعائلة سلطة ونسج صلات وثيقة مع الفئات الهشة والبوادي المجاورة لمراكش، منحها أرضية انتخابية صلبة، وحضورا دوليا عكسته تصنيفات مجلة «فوربس» (بين العشرين الأوائل تأثيرا في إفريقيا سنة 2014) واختيار منتدى «دافوس» لها ضمن القيادات الشابة العالمية.
حكومة 16 أكتوبر: دخول المعترك من الباب الواسع
اليوم، بعد استقبالها وتعيين فريقها الوزاري من قِبل الملك محمد السادس، تضع فاطمة الزهراء المنصوري، الأم لطفلين والحريصة على إبعاد تفاصيل حياتها الخاصة عن الكاميرات، قدما راسخة في رئاسة الحكومة.
مسلحة بخبرة المحاماة، وتمرس إدارة التوازنات الحزبية، وتجربة الميدان بين بلدية مراكش وحقيبة الإسكان، تبدأ المنصوري مهمتها لقيادة السلطة التنفيذية في مرحلة تتطلب الكثير من الصرامة والقدرة على الحسم.








