حسن طارق.. من مدارج الفكر والوساطة إلى قمرة القيادة القانونية للحكومة

حسن طارق، الأمين العام للحكومة

حسن طارق، الأمين العام للحكومة

في 16/10/2026 على الساعة 18:00

بورتريمن الجامعة إلى البرلمان، ومن الدبلوماسية إلى مؤسسة الوسيط، وصولا إلى الأمانة العامة للحكومة، بعد تعيينه من طرف الملك محمد السادس أمينا عاما لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، يواصل حسن طارق مساره المهني عبر محطات متعددة تتقاطع فيها المعرفة الأكاديمية بالممارسة السياسية والتجربة المؤسساتية، وهو مسار يعكس تنوع المسؤوليات التي اضطلع بها، ويبرز خبرة راكمها في مجالات القانون والعلوم السياسية والإدارة العمومية والعلاقات الدبلوماسية.

ويحمل تعيين حسن طارق أمينا عاما للحكومة دلالات مرتبطة بتعدد تجاربه المهنية وتنوع مجالات اشتغاله، إذ لم يقتصر مساره على حقل واحد، بل انتقل بين مهام أكاديمية وبرلمانية وإدارية ودبلوماسية، وصولا إلى مسؤولية وسيط المملكة، التي تتصل مباشرة بعلاقة الإدارة بالمواطن، وما تقتضيه من إنصات وتفاعل مع التظلمات وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة.

بدأ طارق مساره المهني في الإدارة العمومية، مفتشا بوزارة المالية بين سنتي 1997 و2002، بعد أن استكمل تكوينه الجامعي في القانون العام والعلوم الإدارية والعلوم السياسية، حيث حصل قبل ذلك على الإجازة في القانون العام، تخصص الإدارة الداخلية، من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1995، ثم تابع دراساته العليا بجامعة محمد الخامس بالرباط، إذ حصل على الشهادة الأولى للدراسات العليا في العلوم السياسية سنة 1996، والشهادة الثانية للدراسات العليا في العلوم الإدارية سنة 1997.

وشكلت سنة 2002 محطة جديدة في مساره، من خلال التحاقه بديوان كاتب الدولة المكلف بالشباب مستشارا، وهي تجربة أضافت إلى تكوينه القانوني والإداري احتكاكا مباشرا بتدبير الشأن العمومي، حيث وبالتوازي مع ذلك، تعزز حضوره في المجال الأكاديمي، إذ التحق أستاذا باحثا بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة الحسن الأول بسطات، بين سنتي 2005 و2011.

وفي سنة 2004، نال الدكتوراه في القانون العام من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن يحصل سنة 2009 على شهادة التأهيل في القانون العام، ليشكل هذا التكوين قاعدة علمية لمسار بحثي ارتبط بقضايا الدستور والديمقراطية والانتقال السياسي والسياسات العمومية، وهي موضوعات سترافقه في مختلف محطاته المهنية.

ولم يكن حضور حسن طارق في الجامعة مقتصرا على التدريس والبحث، بل امتد إلى التأطير العلمي وتطوير النقاش الأكاديمي في العلوم السياسية، فقد تولى رئاسة شعبة القانون العام والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط بين سنتي 2017 و2019، كما ترأس الجمعية المغربية للعلوم السياسية خلال الفترة نفسها، وأسهم في تأسيس وإدارة المجلة المغربية للسياسات العمومية، إلى جانب مسؤوليات علمية ومدنية أخرى، حيث تعكس هذه التجربة الأكاديمية اهتماما واضحا بأسئلة الدولة والمؤسسات والانتقال الديمقراطي، وهو ما يظهر في مؤلفاته التي تناولت قضايا الدستور المغربي، والسياسات العمومية، والمواطنة، وحقوق الإنسان، وتحولات الهوية الوطنية.

وحظي إنتاجه العلمي بتقدير مؤسسات بحثية وثقافية، إذ نال جائزة المغرب للكتاب في صنف العلوم الاجتماعية سنة 2015 عن مؤلفه «الربيع العربي والدستورانية: قراءة في تجارب المغرب وتونس ومصر»، فضلا عن الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية خلال الدورة الرابعة 2014-2015 عن بحثه «المثقف والثورة: الجدل الملتبس».

وبعيدا عن الجامعة، خاض حسن طارق تجربة سياسية ومؤسساتية من خلال عضويته بمجلس النواب بين سنتي 2011 و2016، حيث اشتغل عضوا بلجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، حيث أتاح له هذا الموقع الاحتكاك المباشر بالعمل التشريعي وبالنقاشات المرتبطة بالإصلاح الدستوري والقانوني، في مرحلة اتسمت بتفاعل المؤسسات مع التحولات التي أعقبت دستور سنة 2011.

وتبرز هذه المحطة أحد الخيوط الناظمة لمساره، والمتمثل في الجمع بين المعرفة النظرية بالمؤسسات والممارسة العملية داخلها، فالرجل الذي اشتغل على قضايا الديمقراطية والدستورانية من موقع الباحث، انتقل إلى فضاء التشريع، أين تتحول الأسئلة الأكاديمية إلى نقاشات سياسية وقانونية مرتبطة بتدبير الشأن العام.

وفي 7 فبراير 2019، انتقل حسن طارق إلى مجال آخر من مجالات المسؤولية العمومية، بتعيينه سفيرا لصاحب الجلالة لدى الجمهورية التونسية، وهي المهمة التي استمر فيها إلى غاية 24 مارس 2025، حيث ارتبط حضوره الدبلوماسي خلال هذه الفترة، إلى جانب مهام التمثيل الرسمي للمملكة، بمبادرات تروم إبراز الروابط الثقافية والتاريخية بين المغرب وتونس، وتعزيز الحوار بين النخب الفكرية والثقافية في البلدين، إذ أشرف في هذا السياق، على تنسيق عدد من المؤلفات التي تناولت المشترك المغربي التونسي، من بينها «المغرب وتونس.. مشترك الثقافة والتاريخ»، الصادر سنة 2022، و«الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. عنوانا للمشترك الثقافي المغربي التونسي»، الصادر في السنة نفسها، فضلا عن أعمال أخرى تناولت التصوف والروابط الثقافية وشهادات المثقفين من البلدين، وهي مبادرات تعكس اهتماما بالدبلوماسية الثقافية باعتبارها رافدا من روافد العلاقات الثنائية، ومجالا لتقوية جسور التواصل بين المجتمعات.

وبعد انتهاء مهمته الدبلوماسية، عاد حسن طارق إلى واجهة المسؤوليات المؤسساتية الوطنية من بوابة مؤسسة وسيط المملكة، التي يتولى مسؤوليتها، في انتقال جديد يضعه في صلب العلاقة بين الإدارة والمواطن، حيث تكتسي هذه المهمة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المؤسسة، القائمة على معالجة التظلمات المرتبطة بتصرفات الإدارة، والعمل على تعزيز الإنصاف وتحسين جودة الخدمات العمومية وترسيخ ثقافة احترام الحقوق، بإلإضافة إلى أن تجربته السابقة في الإدارة العمومية، إلى جانب خلفيته القانونية والبرلمانية والأكاديمية، وفرت له رصيدا متنوعا لفهم تعقيدات العلاقة بين المرتفق والإدارة، وما تطرحه من تحديات تتصل بتطبيق القانون وفعالية المرفق العمومي والحاجة إلى تعزيز الثقة في المؤسسات.

ولم تنحصر مسؤوليات حسن طارق في هذا المسار المتعدد، إذ يشغل أيضا عضوية المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، كما يتولى مسؤوليات داخل هيئات دولية تجمع مؤسسات الوساطة، من بينها منصب النائب الأول لرئيس جمعية الأمبودسمان والوسطاء الفرانكفونيين، وعضوية مكتب جمعية أمبودسمانات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، حيث يترجم هذا الحضور امتداد تجربته إلى فضاءات الحكامة والوساطة المؤسساتية والتعاون الدولي.

وإلى جانب مسؤولياته، يواصل طارق حضوره في النقاش الفكري من خلال مؤلفاته وأبحاثه، التي ظلت وفية لأسئلة السياسة والمجتمع والدولة، فمن بين أحدث أعماله كتاب «ما الذي تركته المشاعر للسياسة؛ مقال في القبائل الحزينة»، الصادر سنة 2025، بعد كتاب «الوطنية المغربية: تحولات الأمة والهوية»، الصادر سنة 2023، وهي عناوين تكشف استمرار اهتمامه بتحولات المجتمع المغربي وبالعلاقة بين السياسة والثقافة والهوية.

وبين الوساطة، التي تضع الإنصات إلى المواطن في صلب مهامها، والأمانة العامة للحكومة، التي تضطلع بأدوار أساسية في تأطير العمل الحكومي من الناحية القانونية والتنظيمية، ينتقل حسن طارق إلى مجال جديد من المسؤولية العمومية، لتكون محطة أخرى ستختبر قدرته على توظيف خبرته المتراكمة في خدمة العمل المؤسساتي، ضمن مسار مهني تميز بتنوع التجارب، وتعدد واجهات الاشتغال.

تحرير من طرف محمد شلاي
في 16/10/2026 على الساعة 18:00