وانطلق تصوير المسلسل أواخر شهر شتنبر الماضي، بعدد من المناطق بالمغرب، بمشاركة مجموعة من الممثلين المغاربة الناطقين بالأمازيغية، من بينهم سعيد ظريف، سعيد عامل، حسين أغبالو، وسناء جدوبي التي تجسد شخصية «عائشة»، الملقبة بـ«الحكيمة». والعمل من إنتاج شركة «ديسكونيكتد»، وإخراج إدريس الروخ.
ووتعتبر هذه التجربة انفتاحا جديدا في المسار الإخراجي لإدريس الروخ على الدراما والثقافة الأمازيغيتين، وذلك بعد سلسلة من الأعمال الناجحة التي أخرجها بالدارجة المغربية، من بينها مسلسلا «البراني» و«اختياري».
وتدور أحداث المسلسل في جبال الأطلس المتوسط، في بداية القرن التاسع عشر، حيث تعيش القبائل على وقع مرحلة مضطربة تحكمها أعراف صارمة وتحالفات هشة وصراعات على السلطة والثروة، في وقت يهدد فيه الجفاف والمجاعة توازن المجتمع، ويدفع كل قبيلة إلى البحث عن سبل لحماية وجودها.
وفي قلب هذا الواقع تظهر عائشة، المعروفة بلقب «الحكيمة»، وهي امرأة تمتلك معرفة عميقة بالناس والقبائل، وتعرف كيف تقرأ ما وراء الكلمات والنظرات.
ولا تعتمد الشخصية على السلاح أو تسعى إلى الوصول إلى الحكم، وإنما تستمد قوتها من المعرفة والتجربة والقدرة على فهم البشر والصراعات المحيطة بها.
ولا تكتسب عائشة لقب «الحكيمة» لأنها تمتلك أجوبة جاهزة، بل لأنها تعرف كيف تستمع وترى ما قد يغيب عن الآخرين.
وبينما تعيش في مجتمع يضع حدودا واضحة لدور المرأة، تجد لنفسها مجالا مختلفا للقوة، يقوم على المعرفة وقراءة الأشخاص وفهم طبيعة النزاعات.
ومع اندلاع الصراع بين القبائل، تجد عائشة نفسها في قلب شبكة معقدة من الولاءات والشكوك والثأر، فشيوخ القبائل ورجال السلطة والفرسان والنساء داخل الخيام، يحمل كل منهم أسرارا يمكن أن تسهم في تغيير موازين القوة.
ويتدرج الصراع من خلافات داخلية إلى مواجهات مفتوحة، في وقت تتبدل فيه التحالفات ويجد أفراد القبائل أنفسهم أمام اختبارات تتعلق بالوفاء والشرف والمصلحة.
وبينما يخوض الرجال مواجهاتهم في الجبال بالسلاح، تجري داخل الخيام معارك من نوع آخر، تنتقل خلالها الأخبار والأسرار، وتتخذ أحيانا قرارات ترسم ملامح مستقبل القبيلة.
ولا يقتصر «الحكيمة» على تقديم حكاية عن الحرب والصراع، بل يتناول مجتمعا يعيش على حافة الانفجار، حيث تتقاطع السلطة مع الشرف، والحب مع الخوف، والولاء مع الخيانة.
وتحتل عائشة موقعا استثنائيا داخل هذا العالم، إذ تواجه الرجال بمنطق الفهم لا بمنطق القوة. وكلما اتسع نطاق الصراع، ازدادت الحاجة إلى معرفتها وقدرتها على قراءة الأحداث، لكن تنامي تأثيرها يجعلها في الوقت نفسه موضع ريبة وخوف.
وعلى المستوى الإخراجي، يولي المسلسل أهمية خاصة لتفاصيل البيئة التاريخية للأطلس المتوسط، من الخيام والجبال والغابات والكهوف والأسواق، إلى الخيول والفرسان والأزياء والحلي والأسلحة، إضافة إلى مشاهد النار والليل وأهازيج أحيدوس، في محاولة لبناء فضاء مغربي نابض بالحياة يتجاوز الصورة الفولكلورية السطحية.
أما على المستوى الدرامي، فيعتمد العمل على تصاعد تدريجي للتوتر، بالإضافة إلى الغموض وكشف الأسرار، حيث يمكن لنظرة أو صمت أو همسة داخل خيمة، وحتى لعودة حصان وحيد من الجبل، أن تحمل دلالة درامية تضاهي مشهدا كاملا من المواجهة.
