وقال توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، الجمعة، إن الوضع يتطلب تحركا عاجلا يتناسب مع سرعة انتشار الفيروس، مضيفا أن التفشي الحالي يعد الأسرع انتشارا على الإطلاق.
وأوضح المسؤول الأممي أن العالم يحتاج إلى مزيد من السرعة وتوسيع نطاق الاستجابة والتضامن الدولي قبل أن يتقدم الفيروس على الجهود الرامية إلى احتوائه، محذرا من أن إيبولا بات يحقق تقدما مقلقا في جمهورية الكونغو الديموقراطية.
وقال فليتشر إن «إيبولا ينتصر في جمهورية الكونغو الديموقراطية»، محذرا من السماح للفيروس بأن يتجاوز قدرة المجتمع الدولي والسلطات الصحية على الاستجابة، وكشف أن الوباء “يقتل شخصا كل 30 دقيقة”، بينما توجد أعداد أكبر بكثير من السكان معرضة لخطر الإصابة.
ومنذ إعلان ظهور التفشي في 15 ماي الماضي، توفي ما لا يقل عن 2128 شخصا من أصل أكثر من 4500 إصابة، في حصيلة دفعت الأمم المتحدة إلى التحذير من أن الموجة الحالية قد تصبح الأكثر فتكا في تاريخ إيبولا.
وتكشف الأرقام عن تسارع واضح للوباء خلال فترة زمنية قصيرة، إذ كانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت، الأربعاء الماضي، تسجيل 4499 إصابة مؤكدة و2061 وفاة، ما يعني أن أعداد الضحايا واصلت الارتفاع خلال يومين فقط.
وينتقل فيروس إيبولا أساسا عن طريق ملامسة سوائل جسم المصاب، ويمكن أن يؤدي إلى حمى نزفية حادة ومضاعفات خطيرة، في وقت تتزايد فيه صعوبة السيطرة على انتقال العدوى داخل المناطق التي تعاني هشاشة البنيات الصحية وضعف الخدمات الأساسية.
سباق مع الزمن
وسجلت إصابات في ست مقاطعات داخل جمهورية الكونغو الديموقراطية، بينما امتد التفشي أيضا إلى أوغندا، ورصدت حالات بالقرب من الحدود مع جنوب السودان، ما يرفع من مستوى المخاوف بشأن انتقال الفيروس إلى مناطق إضافية.
ويعود التفشي الحالي، وهو السابع عشر الذي تعلنه جمهورية الكونغو الديموقراطية، إلى سلالة “بونديبوغيو”، التي لا يتوفر لها، وفق المعطيات الواردة، علاج أو لقاح معروف، الأمر الذي يزيد من صعوبة جهود احتواء المرض.
وكانت السلطات الكونغولية قد أعلنت رسميا التفشي في 15 ماي، وبعد يومين أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا، وهي ثاني أعلى درجات الإنذار المعتمدة لديها.
وانطلق الوباء من إقليم إيتوري المضطرب في شمال شرق البلاد، قبل أن يمتد إلى مناطق أخرى في الشرق، حيث تتداخل الأزمة الصحية مع مشكلات أمنية وإنسانية معقدة.
وتعرقل أعمال العنف وضعف حضور الدولة وهشاشة البنى التحتية الصحية قدرة فرق الاستجابة على الوصول إلى المصابين والمخالطين، كما تجعل عمليات العزل والعلاج والتتبع أكثر تعقيدا.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت، في وقت سابق من الأسبوع الجاري، أنها تأمل في وقف تسارع انتشار إيبولا خلال ثلاثة أشهر، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن بلوغ هذه المرحلة لن يعني انتهاء التفشي بشكل كامل.
وقال عبد الرحمن محمود، رئيس قسم الاستجابة للطوارئ في المنظمة، إنه في حال تنفيذ مختلف جوانب الاستجابة بالتزامن داخل مناطق انتقال العدوى الخمس، فمن الممكن تحقيق تحول في مسار الوباء خلال ثلاثة أشهر.
غير أن المنظمة أوضحت أن خفض مستوى انتقال العدوى لا يعني القضاء النهائي على الوباء، إذ سيتطلب الأمر مواصلة عمليات المراقبة والاستجابة لمنع ظهور سلاسل انتقال جديدة.
تحديات الاستجابة والتمويل
ويظل تتبع المخالطين من أكبر التحديات المطروحة أمام فرق مكافحة إيبولا.
وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس إن تحسين عمليات تتبع المخالطين يمثل “التحدي التشغيلي الأول”، موضحا أن الهدف هو رفع نسبة متابعة الأشخاص الذين خالطوا المصابين إلى 95 في المائة، مقابل نحو 80 في المائة حاليا.
وتكتسي هذه العملية أهمية كبيرة في منع اتساع دائرة العدوى، إذ تسمح بالتعرف بسرعة على الأشخاص الذين يحتمل أن يكونوا قد تعرضوا للفيروس ومراقبتهم وعزل الحالات الجديدة قبل انتقال المرض إلى آخرين.
ولا تقتصر خطة الاستجابة على تتبع المخالطين، إذ تعمل الهيئات الدولية أيضا على توسيع الطاقة الاستيعابية لمراكز العلاج بشكل كبير.
وأوضح تيدروس أن منظمة الصحة العالمية تعمل على زيادة قدرة العلاج إلى ثلاثة أضعاف، بهدف توفير نحو ثلاثة آلاف سرير خلال اثني عشر أسبوعا.
من جانبه، دعا توم فليتشر إلى زيادة أكبر في حجم الموارد البشرية واللوجستية الموضوعة في الخطوط الأمامية، معلنا إرسال عشرين موظفا إضافيا للمشاركة في عمليات مواجهة الوباء.
غير أنه أكد أن الاحتياجات الحالية تتجاوز ذلك بكثير، مطالبا بمضاعفة عدد الفرق المكلفة بإجراء عمليات دفن آمنة وكريمة، وزيادة القدرة الاستيعابية للعلاج ثلاث مرات، وتحسين تتبع المخالطين، إلى جانب إرسال المزيد من المديرين وأصحاب الخبرة في إدارة الأزمات الصحية.
وتشكل إجراءات الدفن الآمن إحدى حلقات الاستجابة الأساسية لإيبولا، بالنظر إلى استمرار إمكانية انتقال العدوى عبر سوائل الجسم، ما يجعل التعامل مع جثامين المتوفين عملية تتطلب إجراءات وقائية دقيقة.
وعلى الرغم من خطورة الوضع، لا تزال الأمم المتحدة تطالب بمزيد من التمويل الدولي لمواجهة التفشي.
وقال فليتشر إن الدول تبرعت حتى الآن بنحو 300 مليون دولار لصندوق مخصص لمكافحة الوباء، فيما أعلنت الأمم المتحدة، عقب اجتماع لوكالاتها، تخصيص 30,5 مليون دولار إضافية من صندوق الطوارئ.
وتضاف هذه المبالغ إلى 24 مليون دولار سبق تخصيصها لمساعدة جمهورية الكونغو الديموقراطية وأربع دول أخرى على مواجهة مخاطر انتشار الفيروس.
غير أن المسؤول الأممي شدد على أن الاستجابة لا يمكن أن تقتصر على توفير الأسرة أو فرق العلاج فقط، إذ تحتاج المناطق المتضررة إلى خدمات أساسية أوسع.
وقال إن الأولوية تشمل تلبية الاحتياجات الهائلة المرتبطة بالمياه والنظافة والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الضرورية، لأن ضعف هذه الخدمات يساعد على تفاقم الأزمة ويحد من قدرة المجتمعات المحلية على حماية نفسها من انتقال العدوى.
ودعا فليتشر المجتمع الدولي إلى إدراك خطورة المرحلة، قائلا إن “على العالم أن يستفيق ويتحرك بفاعلية”.
وباء يتمدد وسط هشاشة صحية وأمنية
وتواجه جمهورية الكونغو الديموقراطية تحديا مضاعفا، إذ ينتشر الوباء في مناطق تعاني أصلا آثار العنف وعدم الاستقرار وضعف البنية الصحية.
ويجعل هذا الواقع مهمة فرق الاستجابة أكثر صعوبة، إذ لا يتعلق الأمر بمواجهة فيروس سريع الانتقال فقط، بل أيضا بالعمل داخل بيئة تعاني محدودية الموارد وصعوبة التنقل والوصول إلى بعض التجمعات السكانية.
كما تزيد كثافة الحركة عبر الحدود مع الدول المجاورة من مخاطر تحول التفشي إلى أزمة إقليمية، خصوصا بعد تسجيل إصابات في أوغندا ورصد حالات قرب حدود جنوب السودان.
وتسعى السلطات والهيئات الدولية، في هذا السياق، إلى منع تحول سلاسل انتقال العدوى المحلية إلى تفشيات عابرة للحدود، وهو ما يفسر توسيع نطاق الدعم ليشمل دولا إضافية إلى جانب الكونغو الديموقراطية.
وأودى فيروس إيبولا بحياة أكثر من 15 ألف شخص في إفريقيا خلال نحو خمسين عاما، وظل اسمه مرتبطا ببعض أخطر الأزمات الصحية التي عرفتها القارة.
وكان التفشي الأكثر فتكا قبل الأزمة الحالية قد امتد بين عامي 2018 و2020، وأسفر عن وفاة نحو 2300 شخص من أصل حوالي 3500 إصابة.
لكن الوتيرة التي ينتشر بها التفشي الحالي وارتفاع أعداد الوفيات خلال فترة قصيرة يدفعان المنظمات الدولية إلى التخوف من تجاوز تلك الحصيلة إذا لم تنجح إجراءات الاحتواء بسرعة.
وبينما تراهن منظمة الصحة العالمية على تحقيق تحول في مسار الوباء خلال ثلاثة أشهر، تحذر الأمم المتحدة من أن الوقت يعمل حاليا لمصلحة الفيروس، وأن نجاح الاستجابة سيظل رهينا بسرعة زيادة التمويل والفرق الطبية ومراكز العلاج، فضلا عن تحسين عمليات تتبع المخالطين وضمان وصول المياه والرعاية الصحية وخدمات النظافة إلى المناطق الأكثر تضررا.
وبالنسبة إلى الأمم المتحدة، لم يعد التحدي مقتصرا على معالجة المصابين، بل أصبح سباقا مفتوحا لمنع الفيروس من التقدم بوتيرة أسرع من قدرة السلطات والمنظمات الدولية على محاصرته.
