إرادوية الدولة مفرطة، وقطاع خاص غائب، وعجز متزايد يبلغ 118 مليار دولار. لا يشيد أحدث تقرير صادر عن اتحاد البنية التحتية لإفريقيا بصحوة الحكومات الإفريقية، بل يفكك الآليات القائمة.
ورغم أن ريادة الدول الإفريقية في تمويل البنية التحتية قد تبدو، للوهلة الأولى، وكأنها استعادة للسيادة الاقتصادية، إلا أن تقرير 2021-2023 الصادر عن اتحاد البنية التحتية لإفريقيا، التابع لبنك التنمية الإفريقي، يكشف عن جانبها الخفي.
يسلط التقرير الضوء على معادلة خطِرة: إرادة مالية تخفي وراءها عزوفا للقطاع الخاص وفجوة كبيرة في التمويل. وبناء على معطيات الميزانيات التي جمعت من 51 دولة، يرسم التقرير صورة لإفريقيا تبني الكثير، ولكن ربما أكثر من اللازم بمفردها، وليس دائما في الأماكن التي تشتد الحاجة إليها، مما يسمح للفجوة المالية بالاتساع إلى 118 مليار دولار في عام 2023.
مصر، عملاق ذو أقدام من طين
إن أبرز سمات هذه الفترة بلا شك هي الهيمنة المطلقة لشمال إفريقيا، وتحديدا مصر. فقد أعادت القاهرة رسم خريطة الاستثمار القاري بعشرات المليارات من الدولارات. مع التزامات قياسية بلغت 21.7 مليار دولار في عام 2021 و21.9 مليار دولار في عام 2022، مولت مصر وحدها أكثر من ثلث جهود الاستثمار العام في المنطقة، متجاوزة بذلك دولا عملاقة تقليدية مثل نيجيريا.
وقد مكن هذا التدفق الهائل لرأس المال العام، الموجه في معظمه نحو قطاعي النقل (45% من ميزانيات شمال إفريقيا) والمياه، الاقتصاد المصري من تجاوز عتبة 394 مليار دولار في الناتج الداخلي الخام عام 2023.
ومع ذلك، لا يكتفي تقرير اتحاد البنية التحتية لإفريقيا بالإشادة بهذا الأداء، بل يصفه ضمنيا بأنه سراب مالي. وأكد التقرير أن «الاستثمار في البنية التحتية قد يكون سلاحا ذا حدين»، مشيرا إلى الأزمة التي تعاني منها المالية العامة في مصر.
فمصر، العاجزة عن مواكبة مشاريعها الإنشائية المتسارعة، اضطرت إلى طلب قرض إنقاذ من صندوق النقد الدولي، الذي كان من بين شروطه القاسية خفض ميزانية البنية التحتية العامة وفرض تحرير القطاع. فهذه قصة نموذج تحول من محرك للنمو إلى عامل خطر بنيوي.
ففي تصنيف الدول الإفريقية ذات أكبر ميزانيات للبنية التحتية خلال الفترة المذكورة، تبرز الجزائر كأقرب منافس لمصر. بميزانية بلغت 6.8 مليار دولار في عام 2023، أي ضعف ميزانية عام 2021، حققت الجزائر أقوى نمو بين الدول الأفريقية الكبرى.
ويعد هذا الارتفاع مهما للغاية، لا سيما أنه لم يصاحبه حتى الآن انزلاقات في استدامة الميزانية التي شهدتها القاهرة. وباعتبارها ثاني أكبر مساهم في قطاع المياه والصرف الصحي على مستوى القارة، تتباهى الجزائر باستراتيجية استثمارية عامة طموحة، إلا أنها تثير تساؤلات: في ظل انسحاب المانحين الدوليين والقطاع الخاص، هل تمثل هذه المقاربة الاستباقية التزاما طويل الأمد أم مجرد دافع دوري؟
وبعد الدولتين الرائدتين، تضم قائمة الدول الخمس الأولى في القارة جنوب إفريقيا وكينيا وتنزانيا. تراجعت ميزانية بريتوريا (المركز الثالث) البالغة 6.01 مليار دولار في عام 2023، بعد أن بلغت ذروتها عند 6.6 مليار دولار في العام السابق. فالقوة الصناعية الأولى في إفريقيا، والتي كانت في السابق قاطرة إقليمية، لم تستعد بعد زخم الاستثمار العام الذي تمتعت به قبل الجائحة.
أما كينيا (المركز الرابع)، بميزانية مستقرة تتراوح بين 3.3 و3.4 مليار دولار على مدى السنوات المالية الثلاث، فتجسد حالة نادرة من الاستقرار المالي في هذا التصنيف، دون أي تقلبات حادة أو انهيارات مفاجئة.
يكمن اللغز الحقيقي في تنزانيا (المرتبة الخامسة): فقد انخفضت ميزانية البنية التحتية لديها إلى 629 مليون دولار في عام 2022، وهو رقم لا يمت بصلة إلى 2.2 مليار دولار في عام 2021، قبل أن تنتعش بقوة إلى 2.58 مليار دولار في عام 2023. هذا التذبذب في الالتزامات يثير تساؤلات حول سلامة البرامج في دار السلام، ويظهر صعوبة تحويل دافع الميزانية إلى استراتيجية طويلة الأجل.
مع ذلك، عند التدقيق في تقرير اتحاد البنية التحتية لإفريقيا، يتضح أن تصدر هذا التصنيف ليس انتصارا، بل قد يكون تحذيرا مبطنا. فالمؤسسة لا تهنئ الحكومات الأكثر إنفاقا، بل تحلل الشروط التي تنفق في ظلها. والنتيجة واضحة لا لبس فيها: كلما ارتفع تصنيف دولة ما، زادت احتمالية تعرضها لخطر المديونية المفرطة غير المنتجة إذا لم يتدخل القطاع الخاص والجهات المانحة الدولية. وقد تعلمت مصر، الرائدة بلا منازع، هذا الدرس تحت وصاية صندوق النقد الدولي.
وعلى الرغم من صعودها الصاروخي، لا تزال الجزائر بحاجة إلى إثبات أن جهودها تتجاوز مجرد حماسة مالية عابرة. في المقابل، تشهد جنوب إفريقيا تراجعا في هوامشها. أما بالنسبة لتقلبات تنزانيا، فهي تعكس غياب الرؤية الواضحة الذي ينفر المستثمرين.
باختصار، يعد تصنيف أفضل الدول الإفريقية أداء في مجال البنية التحتية العامة، وربما في المقام الأول، قائمة بالدول الأكثر عرضة لانهيار حاد إذا لم يشهد إطار التمويل تغييرات بنيوية.
وماذا عن المغرب في هذا السياق؟ بميزانية قدرها 717.9 مليون دولار في عام 2023، لا يزال المغرب خارج النادي المغلق لـ«عمالقة البنية التحتية الإفريقية». ويعد استقراره لافتا للنظر: 736 مليون دولار في عام 2022، و558.7 مليون دولار في عام 2021، وهو مبلغ متواضع ولكنه ثابت. في شمال إفريقيا التي هزتها تجاوزات مصر، يبدو هذا الانتظام في الميزانية ميزة.
لا يفصل تقرير اتحاد البنية التحتية لإفريقيا المشاريع المغربية، لكن الأرقام تشير إلى تدبير حذر، يتماشى مع تحذيرات صندوق النقد الدولي من الإنفاق العام المفرط. هذا الحذر يحمي المغرب، في الوقت الراهن، من غضب الصندوق.
Chantier d'infrastructure en Afrique. Le rapport de l’ICA révèle que moins de 2% des 350 milliards de dollars d’actifs des fonds de pension africains sont alloués aux infrastructures locales.
التراجع الكبير للشراكات الخاصة والدولية
إذا اضطرت الحكومات الوطنية إلى التعويض، فذلك بسبب تآكل الركائز التقليدية للتمويل. انخفضت حصة القطاع الخاص من إجمالي الالتزامات انخفاضا حادا، من 23% في عام 2020 إلى 3% فقط في عام 2022، قبل أن تشهد انتعاشا طفيفا إلى 11% في عام 2023. يمثل هذا الرقم ضربة قوية لطموحات الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وهكذا، لم يضخ القطاع الخاص سوى 3 مليارات دولار في عام 2022 في جميع أنحاء القارة.
في الوقت نفسه، انخفضت حصة أعضاء اتحاد البنية التحتية لإفريقيا والمؤسسات المالية الدولية الأخرى من 47% من إجمالي التمويل في عام 2019 إلى 30% فقط في عام 2023. ويشير التقرير إلى تراجع ملحوظ في مساهمة الصين، التي استمرت في الانخفاض خلال عامي 2021 و2022، حتى تجاوزتها لأول مرة منذ عام 2016 أموال مجموعات التنسيق العربية.
وقد أدى هذا المزيج من العوامل (عزوف القطاع الخاص بعد جائحة كوفيد-19، والتغير الاستراتيجي للصين، ومحدودية هوامش ميزانياتها) إلى خلق فجوة سدتها الدول الإفريقية، مدفوعة بمقاربة تنموية، من تلقاء نفسها. ويلاحظ اتحاد البنية التحتية لأفريقيا أن «الحكومات الوطنية عادت لتبرز كممول رئيسي، حيث استحوذت على أكثر من 60 % من الالتزامات في عامي 2021 و2022». وهذا يعد صمودا قسريا وليس خيارا استراتيجيا.
يكشف التحليل القطاعي عن جمود مقلق. لا يزال قطاع النقل يستحوذ على الحصة الأكبر (44% من الإجمالي في عام 2023، أي 42.2 مليار دولار)، وهو ثابت تاريخيا يلبي احتياجات التوسع الحضري، ولكنه يلقي بظلاله على قطاعات حيوية للمستقبل. أما قطاع الطاقة، فعلى الرغم من عجزه الهائل الذي بلغ 38.7 مليار دولار في عام 2023، وهو الأكبر بين جميع القطاعات، لم يشهد سوى زيادة في استثماراته بنسبة 13% فقط على مدى ثلاث سنوات.
لكن الإشارة الأكثر إثارة للقلق تأتي من قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. فبينما يشيد التقرير بنمو الاستثمارات بنسبة 88% خلال الفترة المذكورة، إلا أن هذا الرقم المثير للإعجاب يجب وضعه في سياقه الصحيح: فقد ارتفع التمويل من 4.3 مليار دولار إلى 8.1 مليار دولار.
يبقى هذا المبلغ ضئيلا مقارنة بالحاجة الفعلية البالغة 36.5 مليار دولار، ما يخلف عجزا قدره 28.5 مليار دولار. والأسوأ من ذلك، أن قطاع المياه شهد اتساعا أكبر في عجزه مرة أخرى في عام 2023، ليقترب من عجز قدره 25 مليار دولار. على الرغم من التركيز على تعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، انخفضت الاستثمارات الفعلية إلى 14.9 مليار دولار، أي نصف الاحتياجات المقدرة.
وتجسد منطقة وسط إفريقيا، التي لم تخصص سوى 6% من ميزانيتها الإقليمية للمياه والصرف الصحي، هذا الإهمال الفادح.
مفارقة الادخار الذي لا يصلح للاستثمار
يسلط تحليل الحكامة المالية الذي أجرته اتحاد البنية التحتية لإفريقيا الضوء على مفارقة صارخة. فبينما تعاني الميزانيات العامة من ضغوط شديدة، تهدر القارة موارد هائلة. ويشير التقرير إلى أن «صناديق التقاعد الإفريقية تدبر أصولا تزيد قيمتها عن 350 مليار دولار، لكنها تخصص أقل من 2% منها للبنية التحتية».
يعد هذا أحد أبرز إخفاقات الاندماج المالي: فبينما تراكم القاهرة وبريتوريا الديون، تستثمر المدخرات المؤسسية الإفريقية بكثافة في الخارج أو في أصول منخفضة العائد.
ويتفاقم هذا الهدر بفعل التدفقات المالية غير المشروعة التي بلغت 858 مليار دولار بين عامي 2010 و2018، متجاوزة بذلك المساعدات الإنمائية الرسمية والاستثمار الأجنبي المباشر.
على الرغم من أن المغرب بعيد كل البعد عن مستويات مصر والجزائر، إلا أنه يمثل تحديا من نوع آخر. فمع أغلفة مالية مستقرة نسبيا، ولكنها متواضعة (736 مليون دولار في 2022، و717 مليون دولار في 2023)، يمثل المغرب أحد تلك الاقتصادات متوسطة الدخل التي يجب عليها ترشيد الإنفاق.
وأمام ندرة القروض الميسرة (حيث انخفضت حصة المنح في المساعدة الإنمائية الرسمية من 42% إلى 30% خلال عشر سنوات)، يتمثل الحل الذي يدعو إليه التقرير في إعادة تدوير الأصول بذكاء وتحسين قابلية تمويل المشاريع، بدلًا من الهروب إلى الأمام المالي.
يشار إلى إصدار السندات الخضراء من قبل نيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا كخيار قابل للتطبيق، وإن كان لا يزال في مراحله الجنينية.
وفي نهاية المطاف، يرسم تقرير اتحاد البنية التحتية لإفريقيا للفترة 2021-2023 صورة لإفريقيا تسرع من وتيرة تنميتها، لكن سلسلة تمويلها الخاصة والمتعددة الأطراف تتهاوى. لا ينبغي أن يخفي التحسن في الميزانيات الوطنية، كما يتضح من ميزانية مصر البالغة 15 مليار دولار والجزائر البالغة 6 مليارات دولار في عام 2023، حقيقة أن الفجوة الإجمالية قد زادت بنسبة 4%. وإذا ما أُضيفت أهداف التنمية المستدامة، فإن العجز يصل إلى 226 مليار دولار.
وكما خلص إليه الاتحاد، فإنه بدون إصلاح شامل لتوجيه المدخرات المحلية وزيادة شفافية الميزانية للحد من «فجوات الحكامة» بين الوعود والمصروفات، فإن العمل التطوعي الحكومي يخاطر بالتحول إلى مديونية عقيمة.




