وعلى الرغم من أن القارة الإفريقية لا تزال تفتقر إلى اندماج قوي في سلسلة صناعة الطيران العالمية، إلا أن ثلاث دول إفريقية فقط، وهي المغرب وجنوب إفريقيا وتونس، استطاعت أن تحجز لنفسها مكانا في هذا القطاع. وتقوم هذه الدول بتصنيع وتجميع مكونات تدخل في تركيب أجزاء الطائرات أو الطائرات الكاملة التي تنتجها الشركات الرائدة عالميا في هذا المجال، مثل إيرباص، وبوينغ، وبومبارديي، وسافران، وتاليس، وإمبراير...
وإذا كان هذا الاندماج اقتصر في معظمه على وجود فروع لكبرى الشركات العالمية في القطاع (مثل إيرباص وبوينغ وسافران)، إلى جانب شركات محلية متخصصة تعمل على تصنيع مكونات متطورة، تجدر الإشارة أيضا إلى أن بعض هذه الدول قد تجاوزت هذه المرحلة لتصل إلى تصنيع الطائرات الخفيفة.
وهذا هو حال تونس، التي بدأت منذ بضع سنوات في تصدير طائرات خفيفة إلى العديد من الدول في أوروبا والأمريكتين وإفريقيا وآسيا.
وعلى الرغم من أن قطاع الطيران والفضاء في جنوب إفريقيا يعد الأقدم في القارة الإفريقية، مستندا إلى إرث تاريخي قوي في مجالات التصنيع والصيانة والصناعات الدفاعية، وبوجود شركات كبرى مثل دينيل للطيران (Denel Aeronautics)، المصنعة للطائرات العسكرية الخفيفة والمروحيات والدرونات والأنظمة الدفاعية المتكاملة، وشركة إيروسود للطيران (Aerosud Aviation)، المتخصصة في تصنيع قطع دقيقة لهياكل الطائرات والمكونات الداخلية والهيكلية لشركات مثل إيرباص وبوينغ وبي إي إي سيستمز وإمبراير، إلا أن المغرب وتونس هما اللذان شهدا، خلال السنوات القليلة الماضية، أكبر قدر من التطور والاندماج في سلسلة القيمة العالمية لصناعة الطيران.
وهكذا، نجح البلدان معا، على مدى ربع القرن الماضي، في استقطاب نحو 245 شركة دولية ومحلية، من بينها عمالقة القطاع مثل إيرباص وبوينغ وسافران وبومبارديي...
ويتمتع كلا البلدين الواقعين في شمال إفريقيا بالعديد من المزايا. فمن ناحية، يتبنى البلدان رؤى استراتيجية تهدف إلى تطوير صناعة الطيران المحلية ودمجها في سلسلة القيمة العالمية. ورغم أن تونس كانت سباقة في دخول هذا القطاع، إلا أن المغرب حقق نجاحا أكبر بفضل رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
ومن ناحية أخرى، يستفيد البلدان من قربهما الجغرافي من عمالقة قطاع الطيران العالمي، أمثال إيرباص وبوينغ وبومبارديي وسافران وجنرال إلكتريك وبرات آند ويتني وتاليس وكولينز أيروسبيس… وفضلا عن ذلك، يعتمد البلدان على موارد بشرية عالية الكفاءة، بفضل برامج التكوين في كليات الهندسة والمراكز المتخصصة، الموجهة كليا أو جزئيا لقطاع الطيران، والتي تضمن توفير الكفاءات والمهارات اللازمة للفاعلين المحليين والأجانب العاملين في هذا القطاع.
بل إن تكلفة هذه اليد العاملة تظل تنافسية للغاية مقارنة بتكلفتها في الدول الأوروبية والولايات المتحدة، مما يسهم في عمليات نقل الأنشطة الإنتاجية بالنسبة للمهن التي تتطلب كثافة عالية من العمل، مثل الكابلات.
ومن ناحية أخرى، فإن تطور المنظومات الصناعية في قطاع الطيران في كلا البلدين يعود أيضا إلى توفير البنية التحتية والحوافز ضمن مناطق مخصصة لهذا القطاع (مثل ميد بارك في الدار البيضاء، وأيروبول المغيرة في تونس الكبرى). فقد أُنشئت مناطق صناعية متخصصة، مجهزة بكافة البنى التحتية اللازمة، لجذب الشركات الأجنبية للاستقرار فيها.
وإلى جانب ذلك، يقدم البلدان المغاربيان حوافز عديدة لاستقطاب الفاعلين العالميين في هذا القطاع. فبالإضافة إلى تهيئة المناطق المخصصة، توفر الأنظمة الضريبية للشركات المصدرة إعفاءات من الرسوم والضرائب على الصادرات، فضلا عن إلغاء التعريفات الجمركية على واردات المعدات والمواد الأولية القادمة من الاتحاد الأوروبي.
وأخيرا، وهو عامل لا يستهان به، ساهم الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي في تطوير قطاع الطيران في كلا البلدين. وفي هذا السياق، أدت حالة عدم الاستقرار التي تشهدها تونس منذ عام 2011، بشكل أو بآخر، إلى عرقلة نمو هذا القطاع هناك خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. وهي الفترة التي سرعت فيها المملكة المغربية من وتيرة اندماجها في القطاع، من خلال جذب العديد من الشركات العالمية والارتقاء بمستوى أنشطتها الصناعية.
وبفضل هذه الميزات، وبما يمتلكانه من خبرات تراكمت على مدى أكثر من 20 عاما، أصبح كلا البلدين اليوم مندمجين بشكل جيد في سلسلة القيمة العالمية لقطاع الطيران، الذي يشهد نموا متسارعا.
المغرب: المصدر الأول في أفريقيا والأكثر اندماجا في سلسلة القيمة
لقد رسخ المغرب مكانته، على مدى ربع قرن، كمركز صناعي رئيسي لقطاع الطيران في القارة الإفريقية. بدأت المملكة في عام 1999 بجذب كبرى الشركات الصناعية العالمية في قطاع الطيران، وذلك من خلال تأسيس شركة الدراسات والإنجازات الميكانيكية الدقيقة، وإنشاء شركة سنيكما المغرب لخدمات المحركات، وهي ثمرة شراكة بين الخطوط الملكية المغربية وشركة سنيمكا (المعروفة حاليا باسم Safran)، والتي تحولت لاحقا إلى شركة سافران لخدمات محركات الطائرات بالمغرب.
وبعد عامين، جاء تأسيس شركة ماتيس أيروسبيس، وهي مشروع مشترك بين سافران وبوينغ والخطوط الملكية المغربية، ليرسخ دخول المغرب مجال الإنتاج في قطاع الطيران.
وهكذا، لم يكن في المغرب مع مطلع الألفية الثانية سوى 5 شركات رائدة في هذا القطاع. ومنذ ذلك الحين، شهدت المنظومة الصناعية نموا كبيرا، لتضم اليوم ما يقرب من 160 شركة، ما بين شركات دولية وأخرى محلية.
واليوم، تطورت في المغرب عدة منظومات صناعية متخصصة في قطاع الطيران، تشمل: الهندسة، وأنظمة التوصيلات الكهربائية، والتجميع، والمحركات، والصيانة والإصلاح، والمواد المركبة. كما يجري حاليا تطوير منظومات أخرى تتعلق بالصناعات الفضائية، والمراحل المتقدمة من سلسلة القيمة، وتجهيزات مقصورات الطائرات، ومعدات الهبوط. وقد ساهمت هذه المنظومات في دمج المغرب ضمن سلسلة القيمة العالمية لقطاع الطيران.
ولم يكن هذا الأمر وليد الصدفة، بل كان نتيجة لرؤية استراتيجية مكنت من إرساء المنظومة المتكاملة اللازمة لتطوير صناعة الطيران المغربية. فقد تم في البداية إطلاق مخطط الإقلاع الصناعي في دجنبر 2005، بهدف تحديث الاقتصاد المغربي وتعزيز تنافسيته، حيث تم تصنيف قطاع الطيران ضمن «المهن العالمية للمغرب»، إلى جانب خمسة قطاعات أخرى، وهي: صناعة السيارات، والأفشورينغ، والإلكترونيات، والنسيج والجلود، والصناعات الغذائية.
جاء تأسيس تجمع الصناعات المغربية في الطيران والفضاء في عام 2006 ليدعم ويهيكل تطوير منصة صناعة الطيران في المغرب. وقد ساهم كل من الميثاق الوطني للإقلاع الصناعي (2009) ومخطط التسريع الصناعي، بجيليه الأول (2014-2020) والثاني (2021-2025)، في دفع عجلة تطوير قطاع الطيران المغربي نحو مستويات أكثر تقدما، وذلك من خلال التركيز على إنشاء منظومات صناعية متكاملة.
وقد تجسدت هذه الرؤية في إقامة مناطق حرة مخصصة لهذا الغرض، وهي: أيروبول النواصر وميدبارك، المنطقة الحرة بالدار البيضاء. وتعد هذه المناطق، المكرسة حصريا لصناعة الطيران والتقنيات المرتبطة بها، مقرا لعمالقة هذا القطاع، حيث تستفيد من وضع المنطقة الحرة، وتتمتع بموقع استراتيجي قريب من مطار محمد الخامس الدولي وميناء الدار البيضاء. كما توفر هذه المناطق دعما ملائما للشركات العاملة في قطاع الطيران لتأسيس أعمالها، وتمنحها مزايا ضريبية متعددة.
وبفضل هذه التسهيلات، تتمركز الغالبية العظمى من الشركات العاملة في القطاع، والتي يبلغ عددها 160 شركة، داخل هاتين المنطقتين، بما في ذلك العديد من فروع الشركات العالمية الكبرى، مثل: بوينغ، وإيرباص، وسافران، وهيكسيل، وإيتون، وميكاكروم، وداهر، وستيليا…
ومن العوامل الأخرى التي ساهمت في تطوير هذا القطاع، توفر موارد بشرية عالية الكفاءة. تلبية لهذا المطلب، وإلى جانب خريجي المدارس والمعاهد المغربية، تم إنشاء معهد مهن الطيران في عام 2008، وبدأ نشاطه الفعلي في عام 2011، وذلك في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص (تضم الدولة المغربية، وتجمع الصناعات المغربية في الطيران والفضاء، واتحاد صناعات ومهن المعادن في فرنسا، والوكالة الفرنسية للتنمية).
وقد قام المعهد بتكوين أكثر من 16000 شخص في تخصصات تغطي 85 % من احتياجات قطاع الطيران في المغرب (تشمل: التشغيل، واللحام، والطلاء، والكابلات، والتجميع المعدني والمركب، وهياكل الطائرات، والأبواب، وحاضنات المحركات، والموصلات، وقطع غيار المحركات، وأجزاء الهياكل الجوية، وغيرها).
وإلى جانب معهد مهن الطيران، تعتمد المنظومة المغربية على المعهد المتخصص في مهن معدات الطائرات ولوجستيك المطارات، وهو مركز متخصص في التكوين على مهن الصيانة والإصلاح وغيرها، بالإضافة إلى بينات أخرى مثل أيروسيب في الدار البيضاء، والمركز التميز التصنيعي الإفريقي، الذي أطلق مؤخرا بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية وشركاء آخرين، من بينهم شركتا بوينغ وإيرباص.
وقد مكنت هذه العوامل مجتمعة، إلى جانب القرب الجغرافي من المراكز الرئيسية للشركات العالمية (مثل الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وكندا)، والاستقرار السياسي، والانفتاح الاقتصادي، المغربَ من ترسيخ مكانته كشريك موثوق يخدم كبرى الشركات العالمية في قطاع الطيران (مثل إيرباص، وبوينغ، وسافران، وتاليس…). وبالنسبة لهذه الشركات، لم يعد المغرب مجرد وجهة مفضلة توفر تكاليف تنافسية فحسب، بل أصبح أيضا حاضنة لمهن طيران جديدة ذات قيمة مضافة عالية.
تشهد وتيرة توطين الشركات تسارعا ملحوظا، وهو ما تؤكده التصريحات العديدة التي أدلي بها على هامش معرض مراكش للطيران 2026، الذي اختتمت فعالياته يوم 10 أكتوبر الجاري.
فقد خصصت شركة سافران أويل سيستم 11 مليون أورو لإنشاء مصنع لأنظمة الزيت المخصصة لمحركات الطائرات. كما تعتزم شركة ماتيس إيروسبيس، وهي مشروع مشترك بين شركتي بوينغ وسافران إلكتريك آند باور، استثمار 16.5 مليون دولار في وحدة لتصنيع الكابلات الكهربائية المخصصة للطيران، مما سيوفر 750 منصب شغل.
ومن جانبها، استثمرت شركة إي بي إس كوتينغ 18 مليون أورو لإنشاء مصنع لمعالجة أسطح قطع غيار الطائرات، مع توفير 120 منصب شغل مباشر. وأخيرا، ستستثمر شركة ميكابول 10 ملايين أورو لتطوير قدرات التصنيع الدقيق للقطع الموجهة للطائرات والمروحيات.
ويتجلى نجاح المغرب في هذا القطاع بوضوح من خلال الأرقام. إذ تعد المملكة خامس أكثر الوجهات جاذبية للاستثمار في قطاع الطيران والفضاء على مستوى العالم، والأولى على مستوى أفريقيا.
وتتواجد حاليا في البلاد أكثر من 160 شركة، مع بلوغ معدل الإدماج المحلي 40%، وسط طموح لرفع هذه النسبة إلى 50% بحلول عام 2030. ويشغل القطاع حاليا نحو 27 ألف شخص، ويساهم بنسبة 3.5% في الناتج الداخلي الخام للمغرب.
ونظرا لكون المنظومة الصناعية للطيران في المغرب موجهة نحو الأسواق الدولية، فإن أداءها يقاس بحجم صادراتها. وقد بلغت قيمة هذه الصادرات 29.1 مليار درهم، أي ما يعادل حوالي 3 مليارات دولار، مسجلة ارتفاعا بنسبة 10% مقارنة بالعام السابق، مما جعل هذا القطاع خامس أكبر مساهم في عائدات الصادرات الصناعية للمملكة.
وخلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري، ارتفعت صادرات القطاع بنسبة 21.5% (أي بزيادة قدرها 4.07 مليار درهم) لتصل إلى 22.97 مليار درهم. ويعزى ذلك إلى نمو مبيعات قطاع التجميع (بزيادة 3.37 مليار درهم) ومبيعات قطاع أنظمة التوصيل الكهربائي.
ويطمح المغرب إلى رفع قيمة صادراته السنوية في قطاع الطيران من 3 مليارات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029. ولتحقيق ذلك، وإلى جانب استقطاب فاعلين جدد في القطاع، سيعمل المغرب على الارتقاء بمستوى الصناعة الوطنية للطيران.
ويكمن التحدي الآن في زيادة القيمة المضافة المنتجة محليا، من خلال تجاوز مرحلة تصنيع المكونات البسيطة نحو تطوير أنشطة أكثر تعقيدا وتطورا، تشمل تجميع وإنتاج أجزاء من محركات الطائرات، ومعدات الهبوط…
وتعد آفاق النمو في هذا القطاع واعدة للغاية. والدليل على ذلك اتفاقيات الاستثمار العديدة التي وقعت على هامش معرض مراكش للطيران 2026، إذ تضمنت إعلانات استثمارية من شركات مثل سافران أويل سيستمز، التي تعتزم إنشاء مصنع لأنظمة الزيت المخصصة لمحركات الطائرات، وماتيس إيروسبيس، التي ستنشئ وحدة لتصنيع الكابلات الكهربائية المخصصة للطيران…
كما افتتحت شركة برات آند ويتني كندا في أبريل 2026 مصنعا لمكونات المحركات في منطقة النواصر، بينما تعمل مجموعة سافران حاليا على بناء مركز لصيانة محركات ليب (Leap) باستثمار يبلغ 120 مليون أورو. ومن المقرر أن يبدأ هذا المركز نشاطه في عام 2027، بطاقة استيعابية تصل إلى 150 محركا سنويا، مع توفير 600 منصب شغل بحلول عام 2030.
وفضلا عن ذلك، تقوم المجموعة الفرنسية، التي تتمتع بحضور قوي في المغرب، بإنشاء خط تجميع لمحركات ليب أ 1 بطاقة إنتاجية تبلغ 350 محركا سنويا، وذلك باستثمار قدره 200 مليون أورو، مما سيؤدي إلى خلق 300 منصب شغل.
كما أعلنت المجموعة في فبراير الماضي عن استثمار بقيمة 280 مليون أورو لإنشاء مصنع لتصنيع معدات أنظمة الهبوط، والذي من المتوقع أن يدخل حيز التشغيل بحلول عام 2029، موفرا بذلك 500 منصب شغل على المدى البعيد.
وباختصار، تسير صناعة الطيران في المغرب على مسار واعد لتعزيز مكانتها الرائدة في أفريقيا، والأهم من ذلك، الارتقاء به نحو مجالات ذات قيمة مضافة عالية للغاية.
تونس: من تصنيع الكابلات إلى صناعة الطائرات الخفيفة
على غرار المغرب، اندمجت تونس في سلسلة القيمة العالمية لقطاع الطيران، وذلك بفضل سياسة صناعية فعالة، واستثمارات مستمرة، وحضور قوي للعديد من الشركات.
يضم قطاع الطيران في تونس حوالي 85 شركة دولية ومحلية، ويوظف بشكل مباشر أكثر من 20 ألف شخص من الكفاءات المؤهلة. ومن بين أبرز الشركات الدولية العاملة في تونس، نجد مجموعة سافران، التي بدأت نشاطها في البلاد عام 2024، حيث تعمل على تصميم الأنظمة المدمجة، والمعدات، والتجهيزات الداخلية للطائرات.
كما تشمل قائمة الشركات العاملة في هذا القطاع كلا من إيرباص أتلانتيك، وكورس كومبوزيتس إيرونوتيك، وبيرسويت إيروسبيس، وفيجاك إيرو، وزودياك إيروسبيس، وميكاكروم، وهاتشينسون، ولاتيكوير، وسوجكلير إيروسبيس، وسابينا تكنيكس، وأكسا كومبوزيتس، وآي إي تي…
وتتنوع أنشطة هذه الشركات لتشمل تصنيع الكابلات، والأنظمة المدمجة، والمعدات والتجهيزات الداخلية للطائرات، وقطع الغيار والمكونات الفرعية، والأجزاء المصنوعة من المواد المركبة، بالإضافة إلى عمليات التصنيع الميكانيكي عالي الدقة، وهياكل الطائرات.
وتنتظم هذه الشركات ضمن تجمع الصناعات التونسية للطيران والفضاء، وهو اتحاد مهني تأسس عام 2006، ويضم كبرى الشركات العاملة في هذا القطاع داخل تونس.
وعلى غرار المغرب، تستفيد هذه الشركات من مناطق مخصصة لها، حيث يتمركز جزء كبير منها في القطب التكنولوجي للطيران بالمغيرة، الذي يقع على بعد نحو عشرة كيلومترات من العاصمة تونس، ويمتد على مساحة تزيد عن 200 هكتار، والذي يرتبط بريا بشكل مباشر بأكبر ميناء بحري في البلاد، وهو ميناء رادس.
وتوفر هذه المناطق المخصصة للشركات المستقرة فيها مزايا متنوعة وحوافز ضريبية مشجعة.
ومن الركائز الأخرى التي يعتمد عليها قطاع الطيران في تونس: منظومة التكوين المهني والأكاديمي. يستفيد القطاع من قاعدة تضم أكثر من 65 ألف خريج سنويا، نسبة كبيرة منهم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، كما يعتمد على ما يقرب من 47 مدرسة للمهندسين و15 مركزاً متخصصا للتكوين.
Le Maroc et la Tunisie comptent respectivement 160 et 85 entreprises internationales et nationales intégrées à la chaine de valeur de l'industrie aéronautique mondiale.
توفر المعاهد ومراكز التكوين المتخصصة في مجال الطيران أطر بشرية عالية الجودة لمنظومة قطاع الطيران. ومن الأمثلة على ذلك: المدرسة العليا للطيران والتكنولوجيا، والمعهد الوطني للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، والمدرسة الوطنية للمهندسين بتونس، ومركز الهندسة لمهن الطيران، الذي أنشئ بمبادرة من مجموعة تيلنات (Telnet Holding) ومجموعة سافران، ومركز التميز في مهن صناعة الطيران الواقع في أيروبول المغيرة ببن عروس، وصفاقس أيروسبيس فالي... وقد تعززت منظومة التكوين هذه في 23 شتنبر 2026، بافتتاح شركة فيجاك أيرو تونس لمركز جديد للتكوين على مهن صناعة الطيران، يقع أيضا في أيروبول المغيرة.
وتوفر هذه المؤسسات أطر بشرية عالية الكفاءة بتكاليف يد عاملة تنافسية للغاية مقارنة بالدول المنافسة، وتعد هذه التكاليف منخفضة جدا ولا تقارن بتلك الموجودة في الدول التي تتخذ منها الشركات الأم مقرا لها.
وبفضل هذه المزايا المتعددة، تواصل تونس جذب الفاعلين في هذا القطاع. ففي هذا السياق، تعتزم مجموعة بيرسويت أيروسبيس الأمريكية توسيع موقعها الصناعي في تونس بنسبة 40%. وهو موقع متخصص في تصنيع مكونات محركات الطائرات، ومن المتوقع أن يضم أكثر من 1000 مأجور.
وتعمل الشركة التابعة للمجموعة الأمريكية في تونس على تصنيع مكونات معدنية دقيقة مخصصة لمحركات الطيران، باستخدام سبائك النيكل والكوبالت بشكل خاص، وهي مواد تستخدم في تصنيع الأجزاء التي تتعرض لدرجات حرارة عالية وإجهادات ميكانيكية كبيرة. تأتي هذه البنية التحتية في أعقاب توسعة شركة ميكاكروم، المتخصصة في تشغيل القطع الميكانيكية والمجموعات ذات الدقة العالية، وبالتزامن مع الإعلان عن دخول الشركة التركية أكسا كومبوزيتس إلى تونس، في أول تواجد لها في القارة الأفريقية.
وإلى جانب تصنيع المكونات والأسلاك، تمتلك تونس صناعة متخصصة في بناء وتجميع الطائرات الخفيفة. وتعد البلاد جزء من ناد حصري للغاية يضم الدول المصنعة للطائرات الخفيفة (ذات المقاعد التي تتراوح بين 2 و4 مقاعد). فمنذ عام 2014، تقوم شركة أفيوناف، التي تتخذ من منطقة البرجين في ولاية سوسة مقرا لها، بتصنيع طائرات مصنوعة من ألياف الكربون المركبة (من طراز رالي) وأخرى من الألمنيوم (من طراز ستورم)، بالإضافة إلى الطائرات المائية بالتعاون مع شركة إيفادا إيركرافت. وتبلغ القدرة الإنتاجية للشركة 80 طائرة سنويا، وتشغل 140 شخصا، من بينهم مهندسون وتقنيون.
وقد قامت أفيوناف بتصدير عشرات الطائرات إلى أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط وإفريقيا. وتستخدم هذه الطائرات، التي صدرت إلى نحو عشرين دولة، منها إيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة وفرنسا والجزائر والمغرب والأردن والمملكة العربية السعودية، في مجالات متعددة، تشمل تدريب الطيارين، والتنقل لمسافات قصيرة، والحملات الإعلانية، ومهام المراقبة الجوية، ورش المبيدات…
وعلى غرار المغرب، يتجه قطاع الطيران في تونس نحو التصدير. إذ إن ما يقرب من 90% من الشركات العاملة في هذا المجال، والتي يزيد عددها عن 85 شركة متخصصة، تخصص نشاطها للتصدير. من حيث القيمة، تجاوزت صادرات هذا القطاع 650 مليون أورو في عام 2025، مقارنة بـ30 مليون أورو في عام 2020 و229 مليون أورو في عام 2016.
ويسجل القطاع نموا سنويا يناهز 10%، ويشكل ما يقرب من 3.5% من الناتج الداخلي الخام لتونس. كما يوفر القطاع سنويا نحو 1000 منصب شغل مباشر، ويضم حاليا قرابة 20 ألف منصب شغل مباشر.
ويتمثل التحدي الأكبر أمام البلدين المغاربيين في الارتقاء ضمن سلسلة القيمة من خلال التموضع في مجالات جديدة ذات قيمة مضافة أعلى، مثل تطوير البرمجيات، ونمذجة القطع ثلاثية الأبعاد، وأتمتة اختبارات البرمجيات أو المعدات المادية، وتجميع المحركات ومعدات الهبوط...
وفضلا عن ذلك، يتعين على البلدين السعي نحو تنويع أسواقهما بشكل أكبر، إذ يتم تصدير ما يقرب من 70% من الإنتاج إلى الاتحاد الأوروبي. وتعد الشركات الفرنسية الزبون الرئيسي في هذا السياق. وفي الواقع، تهيمن الشركات الفرنسية على المشهد ضمن قائمة الشركات المستقرة في كلا البلدين.









