تحف أمازيغية نادرة بفضاء ثقافي في غرناطة تربط ذاكرة المغرب وإسبانيا

المتحف الأمازيغي بقصر الحمراء في غرناطة

في 16/06/2026 على الساعة 15:19

فيديوفي قلب غرناطة، وتحديدا بقصر الحمراء، المعلمة التاريخية الأكثر ارتيادا بإسبانيا والمصنفة ضمن التراث العالمي لليونيسكو، والتي تختزن أروقتها قرونا من التاريخ المشترك بين ضفتي المتوسط، تُعرض مجموعة استثنائية ومتفردة من الحلي والزرابي والتحف الأمازيغية، جمعت بشغف ومحبة على مدى أكثر من نصف قرن، لتجد اليوم موطنها الجديد داخل الفضاء الأمازيغي الذي افتتح أبوابه قبل أيام، في حفل جسد عمق الروابط الحضارية بين البلدين، وكرس اعترافا تاريخيا بالثقافة الأمازيغية ودورها في تشكيل جزء من الذاكرة المتوسطية المشتركة.

يمتد الفضاء الأمازيغي، الكائن بـ«كارمن دي لوس بورسيل»، على مساحة 250 مترا مربعا، منها 200 متر مربع مخصصة للمعرض الدائم، ويضم مجموعة نادرة من الكنوز التراثية التي لا تروي فقط تاريخ الحرف والفنون الأمازيغية، بل تحمل كل قطعة منها قصة وحكاية، شاهدة على حضارة ضاربة في القدم وعلى براعة الأسلاف ورمزية متجذرة عبر القرون. فمن حلي الطقوس والزرابي العتيقة، إلى الخزف والأسلحة الاحتفالية وصناعة السلال، يأخذ الفضاء زواره في رحلة عبر الزمن، فيما تستأثر قطع استثنائية، من قبيل تاج «تاونزة» والحلي الصدرية والقلائد الفضية المرصعة بالمرجان، باهتمام خاص لما تختزنه من رمزية وجمال فريد.

هذه المجموعة النادرة من التحف الأمازيغية، عملت الراحلة الدكتورة ليلى مزيان بنجلون على جمعها، منذ أزيد من خمسين سنة، وتم إغناؤها بمساهمة من خورخي ديسكيلار، سفير سابق لإسبانيا بالمغرب، إلى جانب قطع أخرى تابعة لمجموعات قطع قصر الحمراء.

ولم يقتصر الفضاء على عرض التحف، بل يقدم تجربة غامرة في عمق الثقافة الأمازيغية عبر برنامج سمعي بصري يضم 17 فيلما وثائقيا، تتناول المعمار الأمازيغي، والقصبات والقصور التقليدية، والأعراس والاحتفالات الشعبية، والموسيقى والرقصات التي تزخر بها مختلف المناطق الأمازيغية، بما يمنح الزوار فرصة لاكتشاف ثقافة حية ما تزال تنبض بالأصالة والتنوع.

ويحمل اختيار قصر الحمراء لاحتضان هذا الفضاء دلالات تاريخية عميقة، إذ يمثل تكريما لمدينة غرناطة التي أسستها السلالة الزيرية الأمازيغية سنة 1013، واستحضارا للإرث الذي خلفته السلالات الأمازيغية الكبرى، من مرابطين وموحدين ومرينيين، في الأندلس، وهو امتداد حضاري طالما أشار إليه مؤرخون أندلسيون، ممن أبرزوا أوجه التشابه الكبيرة بين غرناطة وفاس، في معالمهما ومناخهما وخصوصياتهما العمرانية.

وجاء افتتاح هذا الفضاء، الذي امتزجت فيه مشاعر الفخر والاعتزاز بالتأثر والوفاء، تكريما لروح الراحلة الدكتورة ليلى مزيان بنجلون، العاشقة للثقافة الأمازيغية والمحبة لفعل الخير، والتي كرست جزءً كبيرا من حياتها لجمع هذه الكنوز وحفظها، إيمانا منها بضرورة صون الذاكرة ونقلها إلى الأجيال القادمة.

وشكل هذا الحدث الثقافي البارز، المنظم تحت شعار: «حوار الذاكرات ونقل التراث والاستمرارية الثقافية»، تتويجا لمشروع استشرافي حملت الراحلة حلمه ورؤيته لسنوات طويلة، واضعة نصب عينيها تثمين التراث الأمازيغي وإبرازه في قلب أحد أبرز المعالم التاريخية المصنفة ضمن التراث العالمي لليونيسكو، والأكثر استقطابا للزوار في إسبانيا.

وفي أجواء مهيبة ومفعمة بالمشاعر، خلدت ذكرى الراحلة بحضور زوجها عثمان بنجلون، رئيس مؤسسة الدكتورة ليلى مزيان، وابنته دنيا بنجلون، نائبة رئيس المؤسسة، إلى جانب شخصيات سياسية وثقافية ودبلوماسية واقتصادية من المغرب وإسبانيا.

وفي كلمة مؤثرة، عبرت دنيا بنجلون عن اعتزازها بتحقق حلم والدتها، مؤكدة أن حضورها، رغم غيابها الجسدي، كان طاغيا في كل تفاصيل هذه اللحظة. وقالت إن الراحلة الدكتورة ليلى مزيان بنجلون «ليست بيننا اليوم، ومع ذلك فهي حاضرة في كل ركن من هذا المكان»، معتبرة أن الفضاء الأمازيغي يجسد رؤية والدتها وحلمها بأن ترى ثراء التراث الأمازيغي يحظى بما يستحقه من تثمين في قلب قصر الحمراء، ذلك الفضاء الذي يرمز إلى الحوار بين الحضارات.

وباحتضانه لهذا المشروع الثقافي الفريد، يفتح قصر الحمراء صفحة جديدة في تاريخ المتوسط، ويبعث برسالة مفادها أن الثقافة والذاكرة المشتركة تظلان أقوى جسور التقارب بين الشعوب، وأن التراث الأمازيغي، بما يحمله من قيم وتاريخ وإنسانية، يحظى اليوم باعتراف دولي يليق بمكانته وإسهاماته في الحضارة المتوسطية.

تحرير من طرف فاطمة الزهراء العوني
في 16/06/2026 على الساعة 15:19