وأكدت مؤسسة أرشيف المغرب، في بلاغ لها صدر بتاريخ 11 غشت 2026، أن إصدار التقرير يأتي في إطار الدينامية التي أطلقتها المناظرة الوطنية الأولى حول الأرشيف، والتي شكلت محطة وطنية جمعت فاعلين مؤسساتيين ومهنيين وباحثين وخبراء وشركاء وطنيين ودوليين، بهدف بحث التحولات التي يشهدها قطاع الأرشيف وسبل تطوير تدبيره وحفظه وتثمينه وتيسير الولوج إليه.
وأوضح البلاغ أن التقرير يشكل وثيقة مرجعية لأبرز خلاصات المناظرة، ويفتح آفاقا جديدة للتفكير والعمل في مجال الأرشيف بالمغرب، من خلال تحويل مخرجاتها إلى توصيات وأولويات وتدابير عملية.
وجاء في التقرير أن الرؤية المستقبلية للأرشيف تقتضي تجاوز وظيفته التقليدية المرتبطة بحفظ الوثائق والذاكرة، واعتماده باعتباره رافعة استراتيجية للحكامة والشفافية والسيادة الرقمية والتنمية الترابية وصناعة القرار العمومي واقتصاد المعرفة.
وفي هذا الإطار، أوصى التقرير بإرساء استراتيجية وطنية مندمجة للأرشيف في أفق 2036، تقوم على تعزيز الحكامة وتحديث الإطارين القانوني والمؤسساتي، وتسريع التحول الرقمي، وتشجيع الابتكار، وتنمية الكفاءات، وتثمين الأرشيف وتيسير الولوج إليه، وتعزيز التعاون والشراكات.
كما دعا إلى تعزيز دور مؤسسة أرشيف المغرب باعتبارها هيئة مرجعية وطنية، مع اختيار الوضعية المؤسساتية التي تمكنها من أداء مهامها الاستراتيجية، وتوحيد الممارسات الأرشيفية داخل الإدارات والمؤسسات العمومية، وتأهيل البنيات المكلفة بالأرشيف بها لتدبير الوثائق وفق أساليب حديثة ومعيارية.
وشملت التوصيات أيضا إعادة التفكير في دور المجلس الوطني للأرشيف وتنسيق وظيفة الأرشيف، إلى جانب تحديث الإطار القانوني بما يواكب مستجدات دستور 2011 والرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتعزيز آليات الرقابة لضمان احترام المقتضيات القانونية.
وفي ما يتعلق بالأرشيف الترابي، أوصى التقرير بجعل الأرشيف أداة لدعم الحكامة الترابية وحماية الذاكرة الجماعية المحلية، وتمكين الجماعات الترابية من تدبير أرشيفها وفق مقاربة مؤسساتية وعلمية، مع إحداث مراكز جهوية للأرشيف وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة لها، وإنشاء شبكة للتنسيق والتعاون بين الفاعلين الترابيين.
كما دعا إلى الانفتاح على المجتمع المدني، وتطوير التكوين المتخصص وتنظيم لقاءات جهوية للتحسيس بأهمية الأرشيف في حفظ الذاكرة ودعم القرار التنموي، إلى جانب استثمار الأرشيف المحلي في التخطيط التنموي الترابي المستدام.
وشملت التوصيات كذلك حفظ وتثمين الأرشيف الخاص الموجود بمختلف مناطق المملكة، عبر وضع تحفيزات قانونية ومالية تشجع على جمعه وحفظه وإدماجه ضمن التراث الوطني بشكل منظم.
وفي الجانب الرقمي، أوصى التقرير بتسريع التحول الرقمي وإدماج الرقمنة والذكاء الاصطناعي في منظومة الأرشيف، بما ينسجم مع متطلبات السيادة الرقمية وحماية المعطيات العامة والخاصة، ويوفر معطيات يمكن توظيفها في البحث العلمي والتخطيط التنموي وتحديث الإدارة.
كما دعا إلى وضع إطار تنظيمي ومعياري للرقمنة والحفظ الرقمي، وضمان حجية الوثيقة الإلكترونية، وإرساء نظام إلكتروني لحفظ الوثائق وفق المعايير الدولية، مع تعزيز التوافق بين الأنظمة الوثائقية واعتماد المعايير التقنية ومعايير البيانات الوصفية وضمان حفظ طويل الأمد وأصالة الوثائق الرقمية.
وفي مجال تثمين الأرشيف، اقترح التقرير إدماجه ضمن الصناعات الثقافية والإبداعية، ودعم الابتكار والمقاولات الناشئة في مجال البيانات التراثية، مع إحداث جائزة وطنية للابتكار في مجال الأرشيف.
كما أوصى بتعزيز البحث العلمي والتكوين عبر تسهيل ولوج الباحثين إلى الأرشيف، وتطوير منصات رقمية للاطلاع عن بعد، وإبرام شراكات مع الجامعات والمؤسسات البحثية، إلى جانب وضع إطار مرجعي وطني للكفاءات والمعايير المهنية، وتحديث برامج التكوين وإدماج الرقمنة والذكاء الاصطناعي فيها، وتشجيع البحث العلمي التطبيقي في علوم الأرشيف والتدبير المعلوماتي.
وعلى المستوى الدولي، أكد التقرير أهمية التعامل مع الأرشيف باعتباره ورقة استراتيجية للدفاع عن مصالح الدولة وحماية ممتلكاتها، داعيا إلى الاستفادة من التجارب الدولية وربط التجربة المغربية بالمعايير الدولية وتوصيات المجلس الدولي للأرشيف.
كما أوصى بتعزيز التعاون الدولي وحضور المغرب في شبكات التعاون الأرشيفي، ومواصلة استرجاع الأرشيف المغربي الموجود بالخارج، وجمع وحفظ أرشيفات مغاربة العالم الموجودة في مراكز الأرشيف الأجنبية، وتعزيز التعاون جنوب-جنوب، خصوصا مع الدول الإفريقية.
ولضمان تنفيذ هذه التوصيات، اقترح التقرير إحداث لجنة وطنية للقيادة والتتبع، وتحديد مؤشرات لقياس الأداء وتعبئة موارد مالية مستدامة، مع استثمار أوراق ومداخلات ووثائق المناظرة لدعم إصلاح منظومة الأرشيف بالمغرب.
وأكدت مؤسسة أرشيف المغرب، في بلاغها، أن نشر التقرير يندرج ضمن مقاربة الاستمرارية والتفعيل العملي لمخرجات المناظرة، بهدف تحويل خلاصاتها إلى إطار منظم للتفكير والعمل والمساهمة في بلورة رؤية وطنية للأرشيف في أفق 2036.
وأضاف البلاغ أن هذا الإصدار يعكس إرادة المؤسسة في مواصلة الحوار مع مختلف الفاعلين وترسيخ مقاربة تشاركية قائمة على تبادل الخبرات وتنسيق الجهود، بما يجعل الأرشيف تراثا وطنيا أساسيا، ومصدرا للمعرفة ومرجعا للبحث العلمي ورافعة للحكامة والتنمية والسيادة المعلوماتية.
وبذلك، يضع التقرير، إلى جانب كونه وثيقة توثيقية لمخرجات المناظرة الوطنية الأولى، أرضية استراتيجية لتطوير منظومة الأرشيف بالمغرب، تجمع بين حماية الذاكرة الوطنية ومواكبة التحول الرقمي والمؤسساتي، وتوسيع دور الأرشيف ليشمل دعم البحث العلمي والحكامة والتنمية وصناعة القرار، في أفق سنة 2036.
