بوزوكار: المغرب في قلب الخريطة الأثرية للعالم بفضل الاستثمار البحثي والتقني

عبد الجليل بوزوكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث

في 29/04/2026 على الساعة 13:15

قال عبد الجليل بوزوكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، إن تنويع العرض البيداغوجي وتوطين التقنيات الفائقة في البحث الأركيولوجي والتراثي وضع المغرب في قلب الخريطة الأثرية للعالم وجعله فاعلا نشطا في كتابة تاريخ الإنسانية.

وأكد بوزوكار، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة شهر التراث، الذي يربط بين 18 أبريل، اليوم العالمي للمواقع التاريخية والأثرية، و18 ماي اليوم العالمي للمتاحف، أن الحركية الملفتة في الاكتشافات الأركيولوجية وفي تصنيف وجرد المواقع الأثرية سواء كتراث وطني أو عالمي حصيلة تراكم كمي ونوعي من العمل المؤسساتي والبحثي في إطار إرادة عمومية قوية لتملك التاريخ الوطني وصيانة التراث والذاكرة بمختلف مكوناتهما المادية واللامادية.

وبينما تحول المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث إلى ورش كبير لإعادة التهيئة والتوسعة، أوضح الباحث أن المعهد يخلد 40 سنة من الوجود، حافلة بالبحث والتكوين، وبرامج التعاون الوطني والدولي، أثمرت زخما في إنتاج المعرفة، تسارع بشكل جلي خلال السنوات الأخيرة بفضل الإمكانيات التي رصدت من طرف القطاع الوصي ومجهودات الفرق العلمية للمعهد، وطاقمه الإداري والتقني أيضا.

يتحدث بوزوكار عن خريطة وطنية أركيولوجية تزخر بحوالي 10 آلاف موقع، موزعة على مجموعة من الفترات: ما قبل التاريخ، وما قبل الإسلام، ومواقع المرحلة الإسلامية، كما أنها منتشرة جغرافيا على جميع أنحاء التراب الوطني. يقول إنه «انطلاقا من هذه المواقع نستطيع كتابة جزء كبير من تاريخ المغرب، ونغنيه بإضافات تزامنا مع وتيرة الاكتشافات المتوالية في السنوات الأخيرة، والتي تعين على إضاءة محطات من التاريخ الوطني، ولكن أيضا جزء من تاريخ البشرية».

يثمن المسؤول والباحث الأكاديمي إرادة عمومية لدعم القطاع ماليا ولوجستيكيا، وتمكينه من الموارد البشرية المدربة على أعلى مستوى بما يتيح للمعهد الاضطلاع بدوره في إشاعة فهم التاريخ الوطني، وتأصيل التجذر التاريخي للمغاربة في أرضهم وفي إفريقيا، وإضاءة مساهمة المغرب في التاريخ البشري ككل.

وتعليقا على اتساع عمليات تصنيف المواقع تراثا وطنيا أو إسلاميا أو دوليا، يرى بوزوكار أن الأمر يكتسي أهمية بالغة، لأنه تجسيد لاعتراف معياري يمنح الموقع حماية أكبر، ويساهم في التعريف به، مذكرا بأن مسلسل التصنيف يتطلب مسطرة علمية وإدارية، يتولى المعهد في إطارها توفير المادة العلمية بينما تتولى مديرية التراث التابعة لقطاع الثقافة إعداد الملف الإداري.

وذكر في هذا الصدد بأن المغرب يتصدر القارة من حيث تسجيل المواقع التاريخية في قائمة اليونيسكو. هذا الاعتراف الدولي، الذي يقابله دفتر تحملات تجاه الموقع التاريخي، مقدمة قانونية حاسمة لمباشرة عمليات الصيانة الفعلية المستدامة.

ويتحدث في هذا السياق عن محطة تشريعية حاسمة لوضع الإطار المواكب للتطورات في إدارة الرصيد التراثي والأركيولوجي، حين تمت إعادة النظر في القانون المتعلق بالمحافظة على الآثار، والذي وسع نطاق الحماية ليشمل اليوم فضلا عن التراث المادي واللامادي التراث المغمور بالمياه.

مسؤولية صيانة التراث التاريخي لا تهم فقط القطاع الوصي بل أطرافا مختلفة، يقول بوزوكار، مسجلا بإيجابية انخراط المجتمع المدني في التحسيس والتنبيه إلى مخاطر الاندثار أو التهديدات المختلفة التي قد تخيم على بعض المواقع. هذه الحركية دليل وعي من قلب المجتمع بأهمية التراث، وانبثاق عنصر مساعد في السياسات العمومية الخاصة بالصون والحماية.

وفي سياق حركية البحث الأثري المتنامية وطنيا، استعرض مدير المعهد نماذج من مشاريع الحفريات الهامة، كما في الرباط، حيث تجري الحفريات خارج السور المريني في شالة، التي انتقلت بفضلها مساحة الموقع من 5 إلى أكثر من 20 هكتارا، وفي موقع سجلماسة، الذي تبلغ مساحته 75 هكتارا بينما لم تصل الحفريات حتى لنسبة 1 في المائة من مسار التنقيب.

وستواكب حركية الحفريات، حسب بوزوكار، عملية مهمة لفتح ملحقات للمعهد، في مشروع بلغ مراحل متقدمة جدا، ويشمل مناطق مختلفة في الشمال، الوسط، والجنوب، تلبية لضرورة أن تكون فرق البحث قريبة من بعض المناطق ذات الأهمية الأركيولوجية.

أما على المستوى التقني والبحثي، فينخرط المغرب في تطوير البحث العلمي الأثري والتراثي من خلال أبعاد جديدة تهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في علم الآثار، والانفتاح على جغرافية الساحل والصحراء، والواجهة الأطلسية، وتعميق الانفتاح على المراكز الجامعية في المغرب في إطار شراكة وتكامل بحثي خلاق.

ويكشف بوزوكار عن آفاق بحثية واعدة يجسدها إطلاق مجموعة من 7 مختبرات دفعة واحدة، تتيح استخدام الحمض النووي الأحفوري، واعتماد التأريخات بالفيزياء النووية وتطبيقاتها في علوم الآثار، وتعزيز استخدام الملاحظات المجهرية، وتحليل المواد. وكلها عمليات تفتح أفقا واسعا بالنسبة لعمليات الصيانة والترميم. إنها مختبرات بمعايير دولية وتطلبت استثمارات ضخمة.

ويبدي المسؤول اعتزازه بإعداد أطر مؤهلة للتعامل مع البنيات التكنلوجية والبحثية الجديدة. ذلك أن تسيير هذه المختبرات سيتم عبر أطر مغربية متخصصة مع الانفتاح على الجامعات المغربية، وفتح قنوات التعاون مع البلدان الإفريقية فضلا عن جامعات ومراكز بحثية في أوروبا تبدي اهتماما بما يجري اليوم في القطاع بالمغرب.

لهذه الثقة في المستقبل مؤشرات يستدعيها عبد الجليل بوزوكار في تأكيده على أن قطاع علوم الآثار والتراث أصبح قطبا جاذبا للباحثين بآفاق جيدة للاندماج المهني. ففي الفترة ما بين 2022 إلى 2025، تم توظيف 48 خريجا في القطاع العام والمؤسسات العمومية، بالمقارنة مع خريجين اثنين في الفترة 2011-2015.

ويعكس هذا المنحى التحول نحو تلبية انتظارات سوق جديدة وواعدة، مع الإقرار باستمرار بعض الخصاص في بعض التخصصات، يعمل المعهد على تجاوزه. بالموازاة مع ذلك، ارتفعت جاذبية المعهد بشكل واضح من التحاق 8 طلبة بالسنة الأولى سنة 2022 الى 32 طالبا سنة 2025.

من تكوين الموارد البشرية وإرساء الترسانة القانونية مرورا بتملك تكنولوجيا البحث والتنقيب والترميم وصولا إلى تعزيز حكامة وتثمين المواقع التاريخية والتراثية، تتكامل حلقات مشروع وطني بعيد المدى لصيانة تراث غني ومتنوع يرسخ حس الانتماء إلى أرض وشعب وحضارة.

تحرير من طرف أجرى الحوار نزار الفراوي / ومع
في 29/04/2026 على الساعة 13:15