«فضاء استثنائي للإبداع»: بين الذاكرة والتراث والفن.. رحلة في قلب متاحف الدار البيضاء

متحف عبد الرحمن السلاوي - الدار البيضاء

متحف عبد الرحمن السلاوي - الدار البيضاء

في 03/09/2026 على الساعة 09:51

يشهد العرض المتحفي بالدار البيضاء تطورا وتنوعا متواصلين بفضل افتتاح مؤسسات جديدة وتثمين فضاءات مخصصة للذاكرة، والتراث، ومختلف أشكال التعبير الفني.

وتتجسد هذه الدينامية، التي تعزز المشهد الثقافي للمدينة، على الخصوص، في افتتاح متحف التصوير الفوتوغرافي والفنون البصرية خلال هذا الصيف، ومتحف الذاكرة بالدار البيضاء خلال السنة الماضية، وهما فضاءان يعززان مكانة العاصمة الاقتصادية كوجهة ثقافية.

ويعد متحف التصوير الفوتوغرافي والفنون البصرية، الذي صممه المهندس المعماري الياباني الشهير تاداو أندو، إنجازه الوحيد في القارة الإفريقية. ويقع المتحف في قلب المدينة القديمة للدار البيضاء، حيث تندمج هندسته المعمارية المعاصرة بانسجام مع النسيج التاريخي للمكان.

وع هد بتدبير هذا الفضاء إلى المؤسسة الوطنية للمتاحف، بموجب اتفاقية شراكة وقعت في يناير 2026. وسيحتضن هذا المتحف المفتوح والشامل معارض وندوات ولقاءات وتظاهرات فنية، كما يطمح إلى تعزيز الولوج إلى الفن والثقافة، لاسيما في صفوف الشباب، والمساهمة في الإشعاع الثقافي للدار البيضاء والمملكة.

ومن بين الإضافات الحديثة إلى المشهد المتحفي للمدينة، جرى تحويل فيلا كارل فيك إلى متحف الذاكرة بالدار البيضاء، لتوفر بذلك فضاء مخصصا لصون تاريخها وتراثها وتثمينهما.

وش يدت الفيلا في بداية القرن العشرين على يد التاجر الألماني كارل فيك، وأصبحت اليوم تحتضن معارض مؤقتة وفعاليات ثقافية. وتمتد التجربة المتحفية إلى ساحتها الخارجية، حيث تجعل الأعمال الفنية والمساحات الخضراء من المكان متحفا حقيقيا في الهواء الطلق، يجمع بين الذاكرة والإبداع الفني والانفتاح على المدينة.

ويأتي هذا المشروع ثمرة شراكة بين المؤسسة الوطنية للمتاحف ووزارة الشباب والثقافة والتواصل وجماعة الدار البيضاء ومقاطعة مرس السلطان، بدعم من ولاية جهة الدار البيضاء-سطات ومجلس الجهة، بما يعكس الإرادة الرامية إلى تعزيز الجاذبية الثقافية للمدينة.

وفي هذا السياق، يرى رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، مهدي قطبي، أن الدار البيضاء تحتل مكانة متميزة ضمن دينامية تطوير المتاحف التي تشهدها المملكة.

وقال قطبي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن « الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب وملتقى التبادلات والحاضرة الدائمة التحول، تعد أيضا فضاء استثنائيا للإبداع والتعبير الفني »، مبرزا أن ديناميتها وتاريخها وتنوعها وانفتاحها على العالم تجعل منها « مجالا متميزا لاحتضان مشاريع ثقافية كبرى ».

وأوضح أنه من هذا المنطلق أطلقت المؤسسة عددا من المشاريع المهيكلة، من بينها متحف الذاكرة بالدار البيضاء ومتحف التصوير الفوتوغرافي والفنون البصرية، اللذان صمما ليكونا « فضاءين حقيقيين للقاء والحوار »، منفتحين على المدينة ومدينتها القديمة وسكانها وشبابها.

وأضاف أن هذه المؤسسات تروم إقامة حوار بين التراث والإبداع المعاصر، وبين الذاكرة والابتكار، مع جعل الثقافة في متناول الجميع.

وأكد رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف أن « طموحنا يتمثل في جعل الدار البيضاء وجهة ثقافية كبرى على المستويات الإفريقية والمتوسطية والدولية »، معتبرا أن الحاضرة تتوفر على جميع المؤهلات التي تمكنها من أن تصبح « عاصمة حقيقية للتصوير الفوتوغرافي ».

وإلى جانب هذه المشاريع، تتوفر الدار البيضاء على مؤسسات تعمل منذ سنوات على صون مختلف مكونات التراث المغربي ونقلها إلى الأجيال الصاعدة.

ففي حي الحبوس، تعد دار الآلة أكثر من مجرد متحف تعرض فيه آلات الموسيقى الأندلسية، إذ تتيح للزائر رحلة عبر تاريخ هذا الفن العريق المتجذر بعمق في الثقافة المغربية.

وتحتضن دار الآلة، التي توجد داخل منزل قديم جرى ترميمه وتحويله إلى متحف سنة 2010 بمبادرة من جمعية هواة الموسيقى الأندلسية، مجموعة من الآلات الموسيقية القديمة والمخطوطات ذات القيمة التاريخية.

وتشكلت هذه المجموعة على مدى عقود، منذ تأسيس الجمعية سنة 1958، بفضل آلات موسيقية قدمها عدد من رواد الموسيقى الأندلسية أو جرى اقتناؤها على مر السنين، قبل أن تتبلور فكرة جمع هذا التراث وعرضه داخل متحف.

ومن المؤسسات البارزة الأخرى في الحاضرة، متحف التراث الثقافي اليهودي المغربي، الواقع بحي الوازيس، الذي يجسد، منذ إحداثه سنة 1997، الاهتمام الذي يتم إيلاؤه لصون التراث العبري المغربي، وبشكل أوسع، لمختلف مكونات الذاكرة الوطنية.

ويضم المتحف مجموعة غنية تشمل، على الخصوص، أزياء وحليا تقليدية وفساتين زفاف من مختلف جهات المملكة، ومخطوطات ووثائق تاريخية، وأدوات مرتبطة بالمهن التي كان يمارسها اليهود المغاربة، فضلا عن أرشيف موسيقي وسينمائي غني.

كما يمكن للزوار اكتشاف جوانب من التراث الموسيقي اليهودي المغربي، من خلال تسجيلات لعدد من أبرز رموزه، من قبيل سليم الهلالي وسامي المغربي وزهرة الفاسية.

ويتولى متحف التراث الثقافي اليهودي المغربي، الذي أحدثته وتدبره مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي، توثيق مختلف جوانب الحياة المهنية والأسرية والثقافية والدينية لليهود المغاربة، فضلا عن كونه فضاء لنقل قيم التعايش والتسامح التي طبعت تاريخ المملكة.

ويمر تنويع العرض الثقافي أيضا عبر تثمين المواقع الأثرية. وفي هذا السياق، يعزز المنتزه الأركيولوجي سيدي عبد الرحمان، الذي فتح أبوابه أمام العموم قبل نحو سنة، المشهد التراثي للدار البيضاء، من خلال إتاحة الفرصة لاكتشاف موقع بارز من مواقع ما قبل التاريخ بالمغرب.

ويمثل افتتاح هذا المنتزه مرحلة جديدة في تثمين هذا التراث، كما يوفر لهواة التاريخ والشباب وعموم الزوار فضاء للتعلم والاكتشاف ونقل المعارف.

هكذا، من تراث ما قبل التاريخ إلى التصوير الفوتوغرافي المعاصر، مرورا بالذاكرة الحضرية والموسيقى الأندلسية والتراث اليهودي المغربي، ترسم هذه الفضاءات المختلفة ملامح عرض ثقافي يزداد تنوعا، حيث لا يراد للمتحف أن يكون مجرد فضاء للحفظ والصون، بل أيضا فضاء للاكتشاف ونقل المعارف والحوار، منفتحا على المدينة وسكانها.

تحرير من طرف محمد أصواب / ومع
في 03/09/2026 على الساعة 09:51